مثقفون، ولكن!

الخميس 2013/10/17

لا أعرف !

هم مثقفون كما يبدو عليهم أو على الأقل كما يعتقدون هم أنفسهم.

يناصرون الحق والحقيقة، ولكنهم يُغيّرون رأيهم ببساطة عندما يتعلق الأمر بما يعتقدونه شأناً يُقلق راحتهم الشخصية .

فهم يحبون ثورات الشعوب، ولكنّ ضجيج الحروب ومآزقها يُفسدان أمزجتهم ويضايقانهم كثيراً.

هم يسألون عن العدالة والمساواة بين البشر، لكنّ عدالتهم لا تطيق إطالة النظر إلى ما يجري من مجازر ومآسٍ متواصلة. لذلك ينصرفون إلى الانشغال بشؤونهم الشخصية مفضلين الهرب ونسيان كل ما يجري على الأرض حولهم بكل بساطة.

وكثيراً ما يحبون التعابير المنمَّقة التي تثير الفضول، كما يحدث حين يتم إطلاق تعبير "الربيع العربي" على ما يجري من تغييرات وثورات، ولكنهم سرعان ما يكرهونه بعدها بدقيقتين وينصرفون عنه إلى نشر صورهم وأخبارهم التفصيلية هنا وهناك.

وكثيراً علينا أن نعرف نوعية الوجبات التي حظوا بها، أو المقاهي أو المطاعم التي عبروها، أو تقلبات أمزجتهم الخاصة كي تتذكر البشرية صدى خطواتهم، أو كي لا تفتقد أنماط الذوق والتذوق أوالتفضيلات الاستهلاكية في الدكاكين والمحلات التي ترددوا عليها أو تلك التي يحلمون بها.

هم، لهذا، يختصرون الموضوع، بل المواضيع الصعبة التي تزعج الفكر، وتُسمم البدن، وتحيله إلى واقع مقيت صار يتفشى مثل بقعة الحبر في الماء، ويتبعون الطريقة الأسهل في إحالة كل ما لا يرضون عليه إلى مزبلة النسيان أو إلى محكمة الاتهامات كي يتنصلوا مما يجري .

هم يحبون المثقفين الآخرين، لكنهم سرعان ما يدخلون في مناكفاتٍ معهم، تُحيل الحوار إلى جحيم وإلى محض تبادل اتهامات .وربما ببُغضٍ أو كراهيةٍ تُذَكِّر بحروب داحس والغبراء.

كلُّ واحدٍ منهم يود أن يصنع من غيره نسخة من شخصه الكريم لأن الاختلاف يعني الشبهات، وهم أول الناس في البحث عن الهدوء والثبات وكل ما لا تطيب الحياة إلا به.

والأهم الأهم أنهم يُناصرون الثورات حين تنجح بغمضة عين، وحين تضم أنواعاً تعجبهم من البشر، وحين يتاح لهم أن ينشروا أنهم كانوا السبب وراء انتصاراتها، وأنه لولاهم لما حدث تغيير، أي تغيير.

هؤلاء هم عينةٌ مما نراه في العالم العربي، ولذلك لا نستغرب أن يعج الفيسبوك بكل هذيانات العالم الذي يشكل بلادَنا التي تمتد من المحيط أو الخليج.

لعلني نسيت! كل واحد فيهم يظن أنه ربح الحرب العالمية الأولى.. والرابعة، حين يتمكن من إنشاء صفحة يقوم هو شخصياً بإمدادها بالدرر والجواهر، وأُولاها كيف نام بالأمس ولِمَ أصابه القلق، أو لماذا تخلَّفت الشعوب عن إدراك مصيرها المحتوم في غيابه.

ولُيساعدِ الجماهيرَ القدرُ وحدَهُ على ما يُعرَضُ عليهم من شؤون هؤلاء يوماً بيوم.

كاتبة من فلسطين

14