مثقفون عراقيون يدينون من يقف وراء الاغتيال والصمت الحكومي على الجريمة

اغتيال الروائي علاء مشذوب اعتبره عراقيون بمثابة رفع بطاقة حمراء بوجوه الكتاب والمثقفين وهي عملية لاغتيال الفكر والجمال في العراق.
الثلاثاء 2019/02/05
جريمة اغتيال الروائي علاء مشذوب تعبير عن الإفلاس السياسي

كيف تتلقى خبرا مفجعا يمس صديقا عزيزا، صديقا تقاسمت معه هموم الكتابة ومستقبل العراق؟ كان علاء مشذوب مهموما بمشروعه الكتابي بعامة والروائي بخاصة، وكان ينوي كتابة تاريخ كربلاء روائيّا، وقد استعد لذلك بقراءة كتب كثيرة عن المدينة وإجراء لقاءات عديدة مع كبار السن فيها، وكان شجاعا في طرح أسئلته ولا يبالي إن كان سيتعرض لرفض أم للاستجابة، وكان يحمل مسجلا صغيرا يسجل فيه ما يتفوه به كبار السن أو شهود حوادث معينة، ثم يقوم بتفريغ ذلك على الورق ليكون مادة أولية لمشروعه الروائي، وقد عشت معه بعض تجاربه هذه، ومنها أنه أراني أزقة قديمة قطعت أوصالها الشوارع وما يطلق عليه “التوسعات” والتقطت صورا برغبة منه لبعض الأمكنة في وسط المدينة. ثلاث عشرة طلقة اخترقت جسده وحرمته من إكمال مشروعه الحلم، مثلما حرمت أسرته الصغيرة والكبيرة وكل أصدقائه ومحبيه منه ومن إكمال تدوين سيرة روائية لمدينة عريقة لها خصوصيتها، كان الراحل مهموما بها ويشكو كثيرا من ضيق الوقت، كأن حدسه يلح عليه بأن وقت بقائه يتنفس، يقصر ويقصر وأن قادما مجهولا وغامضا يتربص به.

ثلاث عشرة طلقة مملوءة بالوحشية والحقد والظلامية اخترقت جسد إنسان يحمل شهادة الدكتوراه ويعمل مدرسا وكرّس وقته للكلمة، الكلمة بياضه أمام وحشية هذا العالم، سأذهب إلى مدينتي في إجازتي السنوية وليس فيها علاء مشذوب ليريني ما تبقى من أزقة وبيوت كربلاء بطابعها المعماري الذي يحمي من تطرف طقسي تفرضه البيداء الشاسعة التي تتكئ عليها كربلاء.

باسم فرات/ شاعر وكاتب

ليس من السهولة تقبل اختفاء علاء مشذوب، فهذا الرجل مفعم بالحيوية والنشاط ومازال في أوجه من حفرياته في المكان، بالذات مدينته.

لن أتقبل شخصيا خبر مقتله، وأعلن احتجاجي على القتلة وعلى عملية تدبيرها فعلاء المشذوب من الاصدقاء الذين لا تستغني عنهم في حياتك اليومية، من إثارة البهجة والفرح. لقد عشت معه عن كثب في عدة سفرات معا فكان يحيل يومنا إلى “أفشات” ونكات وحياة بهيجة.

علاء مشذوب، المثقف الملتزم والناشط المدني بالمظاهرات، والصديق الذي لا ينسى، لم يرتكب جرما، بل رفع صوته عاليا وقال إن “كربلاء” مدينة، بكل تفاصيلها، ولا يمكن أن ترفل بثوب واحد.

حميد الربيعي/ روائي وقاص

إن اغتيال الروائي د. علاء مشذوب هو في حقيقة الأمر بمثابة رفع بطاقة حمراء بوجوه الكتاب والمثقفين العراقيين أن لا مكان لكم على أرض أجدادكم في العراق، من يعيش في العراق عليه أن يغادره إلى المنفى ومن يعيش في المنفى عليه أن يبقى في منفاه وإلا كان مصيره القتل. ومن الملاحظ أن المغدور قتل بـ13 رصاصة وهذا يعني أن الذي أعطى أوامر القتل قد أمر بالقتل والتمثيل بجثة المغدور. إن تبعية هذه الجريمة وغيرها من الجرائم تتحملها الحكومة العراقية الحالية، وعلى المثقفين في العراق وخارج العراق إقامة دعوى في المحكمة الدولية في لاهاي لتجريم كافة المجرمين في الحكومات العراقية بعد 2003 كمجرمي إبادة جماعية للشعب العراقي. إن القتل الغادر لأصحاب الكلمة الحرة في العراق لن يذهب سدى وسيكون دمهم منارا للشرفاء لفضح الحكام الفاسدين وسيزيدهم عزما على البقاء أوفياء للكلمة الحرة الشريفة والإبداع العراقي العربي الأصيل.

فيصل عبدالحسن/ روائي وقاص وناقد

جريمة اغتيال الروائي والأكاديمي الدكتور علاء مشذوب هي عملية اغتيال الفكر والجمال، اغتيال مصحوب بجريمة بشعة، جريمة رأي عام، جريمة وطنية كبيرة، وإلا كيف يمكن أن نفسر هذا القتل العلني، قتل في وضح النهار، على قارعة الطريق العام حيث المئات من الناس يمرون على هذا الشارع المؤدي إلى أكبر ضريح لمقدس، شارع ميثم التمار، حيث حدثت الجريمة قريبا من ضريح الإمام الحسين.

أستنكر وبشدة، وأطالب بشدة المعنيين والمسؤولين عن الأمن في كربلاء بسرعة الكشف عن الجاني، لأنها إذا مرت بصمت، كما سابقاتها مرور الكرام، فستجر إلى حمامات من الدم. كم كريه هو الاستتبداد، كم كريه هو تكفير الآخر وقتله بالرصاص، كأن ليست هناك لغة أخرى غير هذا الدم الذي يراق على التراب.

أعرف د. علاء مشذوب، وأعرف كم هو مسالم، وكم هو محب لمدينته التي بدأ فيها حفرياته الجميلة، مستنبطا عبر تاريخها المشرق أجمل الحكايات والقصص، وما رواية “باب الخان” إلا نموذج كبير لهذه الحفريات التي تمضي بقارئها عميقا نحو تلك الأسوار التي كانت تحيط المدينة منذ العثمانيين، مرورا بفترات كربلاء وصولا إلى حاضرها. أعرفه كم كان محبا للإنسانية والجمال، وكم كان يكره العنف، وكم كان يحب الجميع. أما مقتله فربما رسالة وصلت ردا على رسالته التي تنبأ بها في روايته المهمة “جريمة في الفيسبوك”.

الرحمة والغفران للراحل الكبير. ويجب أن لا تمر حادثة الاغتيال هكذا دون وضع نقاط الكلمات بوجوه القتلة.

محمد علوان/ روائي وكاتب

شهيد الثقافة العراقية والعربية
شهيد الثقافة العراقية والعربية

أي خِسّةٍ تنطوي عليها نفوس مَن فاجأوا الروائي والناشط الدكتور علاء مشذوب ومحبّيه، حين أطلقوا في مدينته كربلاء 13 إطلاقة على جسده، وهو الأعزل إلا من كلماته ورصده للحياة وخياله الروائي و نزعته الإنسانية؟

الى أين يريدون أن يمضوا بالعراق.. هؤلاء الذين يحملون الجنسية العراقية فيما هواهم غير عراقي؟

لم ألتقِ بالروائي المغدور علاء مشذوب، لكنني أشعر بالرعب وأنا بعيد بآلاف الأميال، عبر البحار والمحيطات، عن موقع الفعل الدنيء، وعن جثمان أخي في الجذور والإنسانية وفي الإبداع. لروحه السلام و السكينة و الراحة الأبدية.

هادي ياسين/ شاعر ورسام

أيّ مجتمع هذا، وأيّ دولة، وأيّ نظام، وأيّ تخلّف يندى له الجبين؟ العالم يتسابق لغزو الفضاء ونحن نمعن في جهلنا ووحشيتنا وإرهابنا، الكاتب المبدع علاء مشذوب يذهب ضحية التعبير عن الرأي بطرفة عين وبدم بارد ولا أحد يتكلّم! كيف لنا أن نواجه العالم ونفخر بأننا ننتمي لبلد اسمه العراق يُحكى أنّه كان منارة العالم في مضى من الزمان، ندين هذا الإجرام الأحمق وندين السكوت الحكوميّ الرسميّ على هذه الجريمة النكراء وما شابهها من جرائم يوميّة بحقّ العراقيين العاجزين أصلا عن الحياة.

محمّد صابر عبيد/ ناقد وشاعر

لأن المثقف العراقي اليوم نزيه اليد، أمين اللسان، غنيّ العقل، جميل الوجدان، لذلك هو مستهدف في حلّه وترحاله، مرصود في أمسه وغده، مضيق عليه الخناق قولا وفعلا. صحيح أن الثقافة عندنا تعيش على هامش حروب مستدامة وأزمات تستشري بلا رقابة؛ بيد أنَّ الثقافة تظل هي الأغنى والأثرى. وما اغتيال الروائي علاء مشذوب إلا دليل قاطع على أنّ نظافة يد الثقافة وغنى روحها ورجاحة منطقها هي التي تجعلها محط أطماع الجهلة الذي يقهرهم أي فعل نظيف، كما يدينهم أي كلام شريف، ليلوثوه بخستهم ودناءتهم.

وعزاؤنا أنَ الزمن الآن هو زمن الهوامش التي ما عادت ضعيفة، وأن قلم الثقافة لن يغتاله رصاص، وأن علاء مشذوب سيظل بيننا يصدح بالحرية والجمال، دائنا قتلته الجهلة، قائلا لهم: ألم تعلموا أن لثورة الفكر تاريخ يحدثنا بأنّ ألف مسيح دونها صلبا.

د. نادية هناوي/ ناقدة وأكاديمية

إن جريمة اغتيال الروائي علاء مشذوب تعبير عن الإفلاس السياسي والخواء الفكري لمن قام بهذه الجريمة، وهي في الوقت ذاته تعبر عن موقف وطني مشرف للمثقف العراقي، وتأكيد لعضويته الاجتماعية في الدفاع عن قضايا شعبه ووطنه. إنها ببساطة تعبير عن صراع مستديم بين البربرية والتحضر في وطن أعطى الكثير من القرابين ليبقى صوت الحرية مدويا.

د. ياسر البراك / مخرج وناقد مسرحي

في خضم سطوة وشهوة السلاح المباح وايغاله الرهيب بلا قيود أو حدود، وفي خضم شريعة تبيح للقتلة السفلة انتزاع التطلع الإنساني، ومحاولات وأد الحقيقة التي عرت وتعري الزيف والخارج على المألوف، وفق مقاسات يفرضها الشذوذ والنفس الأمارة بالسوء، تأتي جريمة اغتيال الكلمة الشريفة والنبض الحي كتعبير عن منهج يستهدف العباد والبلاد، وبتوصيف لا يعيه إلا القتلة والمرتزقة والأوباش.

14