مثقفون عرب يناقشون في لندن حال الثقافة وأدوار المثقف

الاثنين 2015/02/16
ندوة الجديد: الثقافة هي المعطى الحضاري وهو بمثابة الخلاصة الاجتماعية للفعل الأدبي والفني

لندن - تحت عنوان “حال الثقافة وأدوار المثقف” انعقدت يوم الخميس الماضي الندوة الافتتاحية لمجلة “الجديد” الثقافية الشهرية بمكاتب المجلة في بالعاصمة البريطانية لندن، بمناسبة صدور العدد الأول من المجلة مطلع الشهر الحالي. حضر الندوة، وهي الأولى في سلسلة ندوات من المقرر أن تعقدها المجلة، عدد من الأدباء والمفكرين والكتاب العرب. وتحدث الحاضرون، ومن بينهم خزعل الماجدي وخطار أبو دياب وخلدون الشمعة ولمياء المقدم وهالة صلاح الدين، عن إشكاليات الثقافة العربية وما تواجهه من عوائق داخل حواضنها السياسية والاجتماعية. ومن المقرر أن تنشر “الجديد” تفاصيل الندوة، التي استغرقت أكثر من ساعتين ونصف في كراس ستصدره المجلة قريبا.

قال رئيس تحرير المجلة الشاعر نوري الجراح إن الندوة "مفتتح لمنتدى ثقافي عربي حرّ يلتف حول مجلة “الجديد” وينطلق من لندن بأصوات وتجارب وإمكانات ثقافية عربية من داخل البلدان العربية وجميع بلدان المهجر والمنفى".

وأضاف أن "المجلة تتطلع إلى أن تلعب دورا في طرح الأسئلة وفتح الملفات الشائكة والمسكوت عنها في الثقافة العربية، في ظل لحظة انهيار عربي شامل أمام المشروعين الاستعماريين الإيراني والإسرائيلي المتحالفين موضوعيا ضد العرب في المنطقة".

واعتبر الجراح أن الثقافة هي القلعة الأخيرة الجامعة والعاصمة لأهل العربية، ومن دونها سينهارون تماما، ويزولون عن خارطة الأمم الحية.

ودعا "الكتاب العرب، المفكرين والمبدعين في أوروبا والعالم العربي إلى الالتفاف من حول مجلة “الجديد” للمشاركة في صناعة لحظة وعي عربي معاصر عابرة لاستقطابات السياسة، ومتمردة على القسمة التي أرادتها الخطوط السياسية ومشروعاتها الأيديولوجية التي استغلت الثقافة واستتبعتها بدلا من أن تعتبر نفسها جزءا منها".

وقال إن ""الجديد" ليست مجرّد مجلة تنضاف إلى المجلات الموجودة، بل هي منبر ثقافي عربي حرّ يريد أن يلعب دورا مؤثرا في مستقبل الثقافة العربية، وهو ما بدت أصداؤه كبيرة لدى جميع المشاركين في الندوة".

الأهم هو التأقلم وتوسيع دائرة المثقفين وعلاقاتهم بالناس وإيصال رأيهم، عبر التأثير والانخراط في العمل المباشر


المعنى الغائب


وقال الكاتب السوري خلدون الشمعة إن "كلمة “مثقف” ذات محمل معرفي غربي غائب عن الثقافة العربية، التي مازالت تعتمد مفهومها المعرفي المستمدّ من أدبيات الأداب السلطانية، وهي الأدبيات التي دخلت الحضارة العربية في أواخر الحكم الأموي، وتعززت خلال الدولة العباسية.

وكان أصحاب الأقلام يقومون بترجمتها عن مصادر ساسانية بالدرجة الأولى، وهي مصادر حافلة بتأليه الحاكم وجعله معصوما، واستخدمها هيغل في نظريته عن الاستبداد الشرقي".

وأضاف "إن المأساة تؤلمني، لأن هذه النظرية المعتمدة على فكرة الطبائع الثابتة ما زالت للأسف الشديد هي التي تسيطر على إيقاع الثقافة والمثقفين العرب في الوقت الراهن".

وختم قائلا "كنت في ما مضى لا أرى لهذه النظرية مصداقية يُعتدّ بها. أما الآن فقد كففت عن طرح الأسئلة بشأن مدى مصداقيتها".

وقال الدكتور خطار أبو دياب إن "الثقافة العربية لا تزال تعبّر عن مخزون تراثي ومتطلبات حديثة، بالرغم من الواقع العربي الذي يشهد انهيارات على الكثير من المستويات".

ورأى أن "الأهم هو التأقلم، وتوسيع دائرة المثقفين وعلاقاتهم بالناس، وإيصال رأيهم عبر التأثير والانخراط في العمل المباشر، وليس ضمن البروج العاجية. المثقف الحقيقي هو من ينحاز إلى ضميره بعيدا عن اعتبارات أيديولوجية أو تعصب لانتماء».وأضاف أن «المثقف الحقيقي هو المتجرّد من الهوى وفق مثال: من ولي على عدد من الرجال كان له عقل الكل. له واجب التفاعل أو أن يكون جزءا من النخبة التي هي بالنسبة إلى المجتمع كالخميرة في العجين".

وأوضح أن "المأزق السياسي والأيديولوجي والمجتمعات المنهكة جميعها لن تسهل مهمة المثقف، بل إن عليه التسلح بالوعي والإدراك لأن الوعي والحرية صنوان".

الثقافة العربية عاجزة عن خلق السوق لها. وعندما تنعدم السوق، فإن المثقف يبقى رهنا لما تجود به المؤسسات الحكومية من عطاء


المهمة الصعبة


وقال الدكتور رشيد الخيون إن "مهمة المثقف في المنطقة صعبة جدا، وإذا كانت صعبة في أوروبا فإن صعوبتها مضاعفة في منطقتنا، وذلك لأنها في مواجهة أعراف مركبة متشابكة بين القبيلة والدين".

وأضاف "أنه أخذ بمبدإ “وداوها بالتي كانت هي الداء” أي مهمة توظيف التراث بما يمكن مواجهة من يوظفه بشكل سلبي، على اعتقاد أننا أمة أو أمم ماضوية، يشغلها الماضي كثيرا".

وقال الكاتب والسينمائي طاهر علوان إن "المثقف يواجه اليوم تحديات حقيقية، لم تعد معها الأحلام الطابوية التي تعزل المثقف عن واقعه ذات جدوى".

وأضاف أنه "في ظل ما نشهده اليوم بعد ما عرف بثورات الربيع العربي، زادت عزلة المثقف أكثر وأكثر وصار أشدّ حيرة، ولهذا صار مهمّا أن يكون الخطاب الثقافي “نخبويا للجميع″، لأن مفهوم النخبة المنعزلة التي تقرأ لبعضها لم يعد ذا جدوى".

وأكد الكاتب التونسي أبوبكر العيادي إن "دور المثقف كما كان الشأن مع أعلام القرنين التاسع عشر والعشرين، هو صراع يفتقر إلى توعية الفرد وإعداد مواطنة مسؤولة وناقدة؛ صراع غير مشروط من أجل سيادة العقل كطريقة أخرى من أجل قولة الحق".

وتابع مبيّنا "إذا كان المثقف العربي قد أخطأ التقدير والاستشراف، فلأن تركيزه على الفضاء الكوني وانشغاله بالفكر والتنظير حكما على الجانب العملي بالتراجع والتدني، فصار حسب عبارة ميشيل أونغري أشبه براهب فقد إيمانه".

وقال الشاعر والباحث في تاريخ الحضارات خزعل الماجدي إن "ثقافتنا العربية ما زالت قاصرة عن أن تستجيب لما يحصل، فرغم خطورة ما يحصل ليس هناك من تحولات جذرية في الثقافة العربية، على المدى الحالي والمنظور على الأقل".

وأضاف أن "الربيع العربي أثبت لنا أنه من السهل سرقة الثورات من قبل الرجعيين والمتخلفين، بل والعملاء، وأثبت لنا أننا مازلنا على درجة كبيرة من العاطفة التي ستقودنا إلى الكوارث حين نتعامل بها مع السياسة مثلا".

الدكتور هيثم الزبيدي والمخرج فيصل الياسري: التقاء وتباين في الآراء والأفكار


مشاريع نهضوية


وقال الكاتب الفلسطيني عبدالرحمن بسيسو إنه "في سياق مواجهة تحديات شديدة الخطورة، ومع إيغال المجتمعات العربية في سراديب قبو معتم بلا قرار، وبالرغم من المحن المتوالية التي ألمّت بالمثقف العربي، فإنه لم يعد ممكنا أو مقبولا أن يقصر هذا المثقف دوره على الإنتاج الفكري أو الإبداعي". وأضاف أنه "لا بدّ له، تأسيسا على هذا الإنتاج وعلى ما قد يسفر عنه من بلورة جوهرية، من وعي مجتمعي جديد “وعي ممكن يفضي إلى واقع ممكن” ومن رؤى مستقبلية ومشاريع نهضوية، أن ينخرط بملء قدراته وجهده في تفعيل حراك مجتمعي شامل، يظل فيه فاعلا ومحفزا على استمراريته بما يفضي إلى إحداث التغيّر المرجوّ وإنهاض أزمة النهضة الحضارية الشاملة والتقدّم المستمر".

وترى الكاتبة والمترجمة المصرية هالة صلاح الدين أن "دور المثقف المعاصر وارتباطه الأزلي مع السلطة بعلاقة تكافلية، من خلالها يتعايش الطرفان على حساب الآخر، والخاسر هو المواطن المستهلك للمادة الثقافية".

وأضافت "الواقع أن السلطة متوغلة في كل أركان المؤسسات الثقافية بالوطن العربي، ولا سيما تلك المرتكزة على منظومة أمنية قوية، والسلطة لا تستطيع البطش بالمواطن أو الترويج لبرامجها دون دعم إعلامي وثقافي في المقدمة، وأن منظري المؤسسات يوفرون الإطار العقلي لمنهج النظام".

ورأى الكاتب والإعلامي العراقي سلام سرحان "إن هناك محورا أوسع ويؤثر في جميع محاور علاقة الثقافة بالمجتمع وهو أن جميع المجتمعات المتحضرة لم تخرج من دوائر القسوة إلا بعد أن أخذت المرأة دورا كبيرا في الحياة العامة ومن ضمنها الثقافة".

وأضاف أن "الكثير من المجتمعات قطعت مراحل ثقافية كبيرة مثلما حدث في منطقة الشرق الأوسط قبل نحو نصف قرن، لكن كل ما تمّ إنجازه، احترق فجأة لأن المجتمع بقي ذكوريا وقاسيا، وانزلق فجأة إلى التطرف والقسوة، لأنه لم ينجز خطوات كبيرة في مجال تحرّر المرأة، الذي هو الضامن الوحيد لبلوغ السلم المدني".

وختم "إن المجتمعات الأوروبية لم تخرج من ألف عام من القسوة والحروب المتصلة إلا بعد أن تحرّرت المرأة في أعقاب الحرب العالمية الثانية".

ورأت الشاعرة والكاتبة التونسية لمياء المقدم إن "الثقافة العربية تعاني من أمرين هما: تعالي المثقف واحتكاره للفكر والمعلومة، التي يرى أنها من حقه وهو المكلف بإيصالها إلى المتلقي -الذي يحتقره ضمنيا-.

والعامل الثاني هو عدم قابلية واستعداد المثقف للحوار بحيث يكتفي بالتلقين، فتتحول العلاقة إلى علاقة إرسال وتلق، في حين أن المطلوب هو فتح حوار وإقامة علاقة جدلية بين المثقف والمتلقي".

جانب من ندوة "حال الثقافة وأدوار المثقف"

أما الشاعر والكاتب والناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف فقد أعرب عن شكّه في أن هناك "مثقفا عربيا على أرض الواقع، بسبب عدم قدرة ذلك الكائن على التأثير في الناس. الثقافة ليست أدبا ولا فنا، بل هي المعطى الحضاري، الذي هو بمثابة الخلاصة الاجتماعية للفعل الأدبي والفني".

وأضاف أنه "ينبغي الذهاب بالثقافة إلى معنى وقوّة التغيير، إذ طالما كان التغيير غائبا، فإن المثقف من وجهة نظري هو كائن افتراضي، وبذلك تكون الثقافة هي الأخرى كيانا افتراضيا".

وقال النحات السوري عاصم الباشا حول إشكالية الثقافة والمثقفين إن "الشرط الأساسي الذي قد يساعد بلادنا المشتتة اليوم -وهو ليس بالأمر الجديد- يمرّ بضرورة معرفة الذات واستكشافها بصورة مستمرة لإدراك علاقتها، وبالتالي موقفها، من ماضيها وحاضرها ونوافذ مستقبلها الممكنة؛ لا فائدة في فعل يعتمد الجهالة".

وقال المخرج التلفزيوني والسينمائي فيصل الياسري إنه يفضل "الابتعاد عن الخوض في فلسفة الثقافة أو نظرياتها. فالأفضل أن نتحدث عن ممارسة الثقافة فعليا في بلداننا". وتساءل "هل المثقف يرغب في أن يكون له دور في أمور البلاد وأن ينهض للمطالبة به؟ وهل المثقف يهمش نفسه أم يهمشه الآخرون؟".


فرصة تاريخية


وقال هيثم حسين، الكاتب والروائي السوري، إن "الثورات وفّرت فرصة تاريخيّة للمثقّفين كي يستعيدوا أدوارهم التي استلبتها منهم الأنظمة الديكتاتورية الشمولية التي سعت إلى تحويل المثقّفين إلى موظّفين تابعين لا يملكون من زمام أمرهم أو فكرهم شيئا، ولاشكّ أنّ أيّة نهضة في العالم العربيّ هي نهضة للشرق برمّته".

وأضاف أن "المثقّف يؤسّس اليوم للتاريخ والذاكرة معا، وإخلاصه المأمول للحقيقة هو إخلاص للذاكرة والمستقبل، لأنّه يضع أسس هويّة سرديّة مختلفة، تستمدّ مشروعيّتها من التضحيات الجسيمة التي قدّمتها الشعوب في سبيل تحقيق التغيير والانتقال من مستنقع الطغيان والاستبداد إلى برزخ الحلم بدول تحترم أبناءها وتحفظ كراماتهم".

ورأى أن "الثقافة تظلّ في حالة نوسان بين الجانب التشريحيّ والجانب التدميريّ. تكون تشريحية حين تنطلق في تحليل البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة والعلاقات المتشابكة بينها، تلك التي تؤسّس بشكل ملائم للانطلاق نحو الغد، تمهّد الأرضيّة التي تنبني عليها الأحلام وتنعقد عليها الآمال. وتكون تدميريّة حين تنطلق من مراعاة مصالح الطغم الحاكمة، وتقديم التبريرات واختلاق الذرائع لممارساتها والوصول إلى درجة تجميل القباحات".

المجلة تتطلع إلى أن تلعب دورا في طرح الأسئلة وفتح الملفات الشائكة والمسكوت عنها في الثقافة العربية


رفض القوالب


وقال الدكتور هيثم الزبيدي ناشر المجلة ورئيس مجلس إدارة مؤسسة "العرب" إن "ثمة حاجة لتوفير أدوات ثقافية يمكن استخدامها في تحليل المشهد السياسي والاجتماعي، خصوصا في الفترة الراهنة التي تغرق في واقع دموي ليس له مثيل في التاريخ العربي المعاصر".

وأضاف أن "مشكلة الأدوات الثقافية السائدة تكمن في أنها استعاراتٌ لأدوات غربية وشرقية مستوردة، ولهذا فإن مستخدميها من المثقفين لم يتمكنوا من الردّ على أسئلة أساسية عمّا يحدث في المنطقة".

ولاحظ الزبيدي إلى أن "الثقافة العربية عاجزة عن خلق السوق لها. وعندما تنعدم السوق، فإن المثقف يبقى رهنا لما تجود به المؤسسات الحكومية من عطاء وهذا ما يجعله “مثقفا تابعا”".

وقال "تكفي المقارنة بما كان عليه الفن والثقافة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي بحالها الآن. كانت الثقافة صناعة مزدهرة لأن سوقها واسعة من مستمعين وقراء ومشاهدين يذهبون إلى الحفلات ويشترون الكتب ويشاهدون الأفلام. كان الناس يدعمون الثقافة والمثقف. الآن أغلب الدعم يأتي من وزارات الثقافة الحكومية التي تحدّد أجندات العمل".

ورفض "وضع قوالب للثقافة من خلال تعريفات، لأنها تقيّد المثقف وتحصره في قوائم محدّدة من الإبداع، بينما الثقافة هي طريقة حياة".

15