مثقفون على إيقاع خطى الإوز

السبت 2015/04/18

يُعيد كتاب “ويستمر الحفل: الحياة الثقافية بباريس المحتلة” للصحفي الأميركي ألان رِدين فتح صفحات فترة قد يسعى كثير من الفرنسيين إلى طيّها، وهي تمتد من سنة 1940 إلى 1944. وهي الفترة التي انطلقت بخطاب الماريشال بيتان، الذي دعا فيه الفرنسيين إلى التعاون مع ألمانيا النازية.

يعود ردين إلى البحث في التفاصيل الخفية التي تحيط بعلاقة عدد من الأدباء والفنانين الفرنسيين بسلطات المحتل النازي. مع ألان ردين، سنكتشف، من جديد بورتريهات الأدباء والمثقفين والفنانين الذين تعاونوا مع المحتل، أو الذين انخرطوا في طروحات النازية، من بينهم الروائي أبيل بونار، الذي كان وزيرا للتربية الوطنية في عهد فيشي، والكاتبة الشهيرة مارغاريت دوراس، التي اشتغلت كأمينة سر اللجنة المكلفة بمنح مقاولات الورق الخاص بالطباعة.

وكان عمل اللجنة صيغة خفية لممارسة الرقابة على الكتب الصادرة بفرنسا، وذلك قبل أن تنتقل الرقابة إلى شكل مباشر، حينما ورّطت سلطات الاحتلال النازي النقابة الوطنية للناشرين الفرنسية في التوقيع على اتفاق مشترك، التزمت بمقتضاه النقابة بالمشاركة في إعداد اللائحة الشهيرة التي عرفت باسم لائحة أوطو، كناية عن أوطو أبتز، السفير الألماني بباريس. وهي اللائحة التي تضم الكتب الممنوعة بفرنسا، وقد جاوزت 1600 عنوان، من بينها أعمال فرويد ولويس أراغون وكارل ماركس.

سهولة اختراق صفوف عدد كبير من الأدباء والمثقفين الفرنسيين من طرف السلطات النازية كان وراءه أكثر من سبب. فعلاقة الألمان بعدد منهم كانت سابقة على احتلال فرنسا، ويستحضر ألان رِدين نموذج الصحفي روبير براسيلاش، الذي كان قد تمت دعوته لحضور تجمع نازي بألمانيا، سنة 1937، وكان قد كتب عن إعجابه الشديد بمواكب أتباع هتلر وهي تتقدم بخطى الإوز.

وهو نفس الصحفي الذي كرس أسبوعيته، التي كان يصدرها خلال الثلاثينات، لحملته ضد اليهود والشيوعيين. مثقفون آخرون وجدوا في التعاون مع السلطات النازية وسيلة لإيقاف حمام الدم الذي خلفته بدايات الحرب مع الألمان، حيث كانت فرنسا قد فقدت، خلال سنة 1940، أكثر من مئة ألف شخص.

وبالرغم من الكثير من المفاجئات التي يحملها كتاب ألان رِدين، والتي قد تكون صادمة للرأي العام الثقافي الفرنسي، فقد حظي كتابه بغير قليل من الاحتفاء داخل فرنسا، ومن ذلك تخصيص مجلة بوكس لملف ضخم عنه. ويعود جانب من ذلك إلى تحلي كِتاب رِدين بكثير من الدقة وتجنبه الانتقاص من القيمة الإبداعية للكُتاب الذين تعاونوا مع الاحتلال.

قد نحتاج في العالم العربي إلى بعض من هذه الروح ونحن نبحث في سلوكات ومواقف مثقفين عرب عاشوا الاحتلال أو تعايشوا معه.

كاتب من المغرب

17