مثقفون فالصو

الأحد 2016/01/31

"طلع فالصـــو للأسف، وكنت أظنه ذهب عيار 24". هذه العبارة كثيراً ما نسمعها من أفواه الناس في بعض مجتمعاتنا العربية، وهم يقصدون بها ظهور شخص ما على حقيقته، وانكشاف معدنه الرديء، بعدما كانوا مغشوشين به! وكلمة "فالصو" أصلها فرنسي من كلمة "فالص" تعني "مزيّف". وقد شبّه الروائي ماريو فارجاس يوسا، ساخراً، "الديكتاتوريات المراوغة" بأنها، من فرط إحكام الاستبداد فيها، ديمقراطيات فالصو (باللاتينية: سيميولاكرا simulacra)، أي صور شائهة تزعم أنها الأصل. ويرى أحد النقاد أن موضوع السيمولاكرا هذا من الموضوعات التى شغلت معظم الفلاسفة المعاصرين ممن اهتموا بالبحث فيما يسمى بالوضع ما بعد الحداثى الذى نعيشه، حيث أصبحت الكثير من المفاهيم مجرد أشباه مزيفة لما كانت عليه.

الشخص الفالصو (أو السيميولاكروم simulacrum) نجده في جميع الشرائح الاجتماعية، لكن خطورته أكثر ما تكون حين يوجد داخل شريحة لها تأثير في الرأي العام، وصياغة أو توجيه عقول الناس، وأعني بها شريحة المثقفين من أصحاب الفكر والأدباء والكتّاب والقادة الدينيين والإعلاميين، إلخ. ويحضرني في هذا السياق كتاب "المثقفون المزيفون" للكاتب الفرنسى باسكال بونيفاس، رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية فى باريس، الذي يفضح فيه أنشطة وأفكار مجموعة من المثقفين والإعلاميين الفرنسيين، وارتباطاتهم المشبوهة بالدوائر الأمنية والسياسية، وتخليهم عن دور "المثقف النقدي"، بالمعنى السارتري، وتحولهم إلى مرتزقة مهمتهم الأساسية النصب والاحتيال على الرأي العام من خلال الترويج لأكاذيب فى قوالب ثقافية بهدف إعادة تشكيله وقولبته وتوجيهه نحو قناعات أيديولوجية أحادية البعد.

في عالمنا العربي ثمة أنماط عديدة من المثقفين "الفالصو"، مثل المثقف الطائفي، المثقف المرتزِق، المثقف الجبان، المثقف التابع، المثقف المداهن، المثقف الانتهازي المتلون (الحرباء)، المثقف الدعي، المثقف البراغماتي، المثقف المفصوم، المثقف الشوفيني، والمثقف الببغائي. وقد تجتمع بعض هذه الأنماط أحياناً في شخص واحد من هؤلاء المثقفين فتفضحه مواقفه المخزية ويغدو مسخرةً، كما نلاحظه وهو ينعق في بعض البرامج الحوارية التي تبثها الفضائيات، أو في مواقع التواصل الاجتماعي.

أعرف العديد من المثقفين (أدباء وفنانين)، أو ممن هم محسوبون على الشريحة المثقفة، يزعمون أنهم حملة قيم وأفكار مستنيرة، يؤمنون بالهوية الوطنية الجامعة لبلدانهم، وعابرون للهويات الفرعية، ومدافعون عن حرية الإنسان وحقه في العيش بكرامة والتعبير عن رأيه، وعلمانيون يمقتون الطائفية وحشر الدين في السياسة والشأن العام، وحداثيون وتقدميون ويساريون يناصرون حرية المرأة وحقوقها ومساواتها، لكنهم لا يتورعون، في العلن أو في الباطن، عن إظهار اللوثة المختبئة داخل نفوسهم، في انفصام عجيب، منحازين إلى الأنظمة المستبدة والثيوقراطية ورموزها السياسية وديناصوراتها (بل إن بعضهم يحرص أن يكون تابعا وكلب حراسة لها لأنها من صنفه مذهبياً)، أو مغازلين للأحزاب الدينية وميليشياتها لنفس السبب، أو ساكتين عن اضطهاد أو اعتقال الكتّاب أو الناشطين السياسيين لنفس السبب أيضاً، أو ممارسين لشعائر وطقوس متخلفة في بيوتهم، بينما يدينونها في خطاباتهم، أو قابلين بتحجب أو تبرقع نسائهم، أو مسفرين عن كراهيتهم وضغينتهم تجاه من يختلف عنهم إثنياً ودينياً ومذهبياً، أو مشاركين في نشاطات ثقافية ذات صبغة مذهبية، أو صابين الزيت على لهيب الصراع الطائفي ليزداد إشتعالا، أو مهللين لجرائم الإرهاب والتطرف والحقد الأعمى بوصفها عمليات ثورية!

في مقابل هذه الأنماط من المثقفين في مجتمعاتنا العربية ثمة بالطبع شريحة مثقفة، خارج القطيع، سواء أكانت أقلية أم كبيرة، تحرص أن تظل نزيهة وشجاعة ووطنية وإنسانية وحرة وعقلانية وطليعية وتنويرية ومنسجمة مع أفكارها وتطلعاتها، ومتماسكة في خطابها وسلوكها، ورافضة لكل أشكال الاستبداد والقمع والإرهاب والتطرف والطائفية والفساد والتخلف والتدليس والأيديولوجيات الظلامية، شريحة تشكّل ضميراً للجماعة المتعطشة إلى الحرية والكرامة والتقدم.

كاتب من العراق مقيم في عمان

13