مثقفون فرنسيون بعد هجمات باريس الإرهابية: الحرية أو الانتقام

لم يكن الفرنسيون يتوقعون أن تتحول الحرب، التي اعتادوا أن يروا صورها على شاشات تلفزيوناتهم وحواسيبهم أو على صفحات جرائدهم، إلى عقر دارهم دون سابق إنذار، ولو أن المحللين الأجانب لم يفاجَأوا إلا بالسهولة التي استطاع بها عدد من الشبان من أصول عربية مغاربية اختراق أمنها، ففرنسا في رأيهم تدفع الآن ثمن تدخلاتها العسكرية الأخيرة سواء في أفريقيا خلال الأعوام الماضية، كعملية بركان في شمال مالي، وعملية سرفال، والحرب على ليبيا، أو التدخل العسكري في الشرق الأوسط منذ العام الماضي، في العراق تحديدا بطلب من الحكومة العراقية في إطار الأمم المتحدة، وأيضا منذ نهاية سبتمبر في سوريا. وهي الحجة التي تتذرع بها الدولة الإسلامية “الذنب ذنبكم في ما يصيبكم، لأنكم أنتم الذين هاجمتم سوريا”. والسؤال الذي تتوالد عنه أسئلة فرعية كثيرة هو: إذا كانت فرنسا في حرب، فمن هو عدوّها؟ داخلي أم خارجي؟ طابور خامس أم عدوّ معلن؟ وكيف ينظر المثقفون، فرنسيين كانوا أو أجانب، إلى الحرب وإلى أسبابها وتبعاتها؟
الجمعة 2015/11/20
عند هذا الحائط وقعت مجزرة: وضع فرنسا رهين بظروف معقدة من واجب الفيلسوف أن يصفها

تحوم الآراء حول أحداث باريس الأخيرة حول محاور ثلاثة: أولها تحميل فرنسا الفاجعة التي حلت بها، وثانيها سبل مقاومة التطرف والإرهاب، وثالثها الخشية من ردود فعل عنيفة ضد الجاليات العربية والإسلامية المهاجرة.

بيرل هاربر فرنسية

الفيلسوف ميشيل أونفري يعتبر أن ما حدث يوم الجمعة 13 نوفمبر هو فعلا عمل حربي، ولكنه يردّ على عمليات حربية أخرى كانت لحظة بدايتها قرار عشيرة بوش وحلفائه بتدمير عراق صدام منذ ربع قرن.

وفرنسا، باستثناء فترة حكم شيراك، كانت من ضمن التحالف الغربي الذي أعلن الحرب على بلدان إسلامية كالعراق وأفغانستان ومالي وليبيا… هذه البلدان لم تكن تهددنا، يقول أونفري، قبل أن ننكر عليها حق السيادة وحقها في اختيار النظام الذي تريده. وليس قدر فرنسا أن تكون شرطية العالم وأن تتدخل حسب أهوائها في هذا البلد أو ذاك لتحظر فيه الخيار الذي أقرّه.

ويؤكد أونفري أن المعتدي الأول في نظره هو جورج دبليو بوش الذي ابتكر أسلحة دمار شاملة مزعومة ليهاجم العراق عام 2003. والوضع الذي نحن فيه يرتهن إذن بسلسلة سببية طويلة من واجب الفيلسوف أن يصفها. والعمل الإرهابي هو آخر حلقة في تلك السلسلة.

ميشيل أونفري: المعتدي الأول هو جورج دبليو بوش

ويرى أونفري أن الدولة الإسلامية دولة ذات تنظيم محكم، وتقود حربها ضدّ أعدائها بذكاء، وتمتلك رؤية عن التاريخ، بعكس الدول الغربية، ولا يصحّ أن نسمي أفرادها بالبرابرة لأنهم يحسنون استعمال التكنولوجيا الحديثة، ولا بالإرهابيين لأن الغرب قام بعمليات أشنع من خلال طيرانه الذي لا يلقي بقنابله على القرى فيقتل عجائز ونساء وأطفالا لا ذنب لهم إلا أنهم يعيشون في بلد ينتمي إلى ما تسميه أميركا “محور الشرّ”، ولا بأعداء الحضارة لأن الحلفاء لم يترددوا في تدمير عشرات المواقع الأثرية في العراق وسواها.

كما يعبر الفيلسوف عن خشيته من أن تغتنم جماعات اليمين المتطرف الفرصة لتشكيل ميليشيات تتولى مطاردة المهاجرين العرب وحرق المساجد لخلخلة الديمقراطية، على غرار فرق الهجوم النازية والميليشيا الفاشية والكتيبة الفرانكية والكيسا اليونانية زمن الطغمة العسكرية.

أما الفيلسوف باسكال بروكنر، الذي يصف العملية ببيرل هاربر فرنسية، فينتقد الذين يرون في تدخل فرنسا عسكريا في بعض البلدان الإسلامية سبب العدوان الإرهابي، ويصف مواقفهم بالحماقة.

وهو إذ يدعو إلى محافظة الفرنسيين على نسق حياتهم وكأن الإرهاب غير موجود، ليواجهوا القتلة باحتقار المتحضرين، فإنه ينصح بتعليق السراح الشرطي للجهاديين، وتجميعهم في معتقلات، وإخضاع المسجلين منهم في قوائم المشتبه بهم للسجن الاحتياطي. وحرمان الخطرين من الحرية، وإيقاف كل المقاتلين العائدين من سوريا، وطرد كل الأئمة المظنون فيهم أو دعاة الحقد والكراهية دون تحفظ، وإغلاق مساجد السلفيين.
باسكال بروكنر: على الفرنسيين المحافظة على نسق حياتهم

قراءة واقعية

أما فرنسوا بورغا مدير البحوث في المركز الوطني للبحوث العلمية، فلا يفصل الأحداث الراهنة عن الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، لأن جنود داعش في رأيه ينهلون من قراءة بالغة الخصوصية لمرجعياتهم الدينية، وهي فكرة أن المسلمين سيضعون حدا في يوم ما للهيمنة الغربية: الكولونيالية أولا، ثم الإمبريالية المتلاعبة بمصائر الشعوب في ما بعد.

وقبل ظهور المعجم الديني الحالي، كانت معاجم القومية والعروبية ومعاداة الإمبريالية تتبنى المطلب نفسه.

في رأي بورغا: إن رفض هذه القراءة الواقعية معناه الوقوع في العمى الطائفي الذي نؤاخذ عليه من يهاجموننا، لأن في ذلك رفضا لمساءلة الآليات السياسية التي صنعتها والعمل على تغييرها، وقصورا عن فهم الدور الذي قد نكون لعبناه في خلق هذه الماكنة التي تفرخ واضعي القنابل.

وكنتيجة لذلك صرنا نرفض أن نفهم الأسباب التي جعلت المتطرفين يعدّدون بشكل لا يقاوم عدد أتباعهم حتى في قلب المجتمعات المعنية، وأن “قنابلنا” هي خير دعاية يستعملونها لحشد من سيقررون ذات يوم قذفنا بمثلها.

ويؤكد بوريس سيرولنيك، المحلل النفسي المتخصص في السلوك، على أن فرنسا تواجه حربا غير متماثلة، فجنودها على آلاف الكيلومترات والعمليات الإرهابية تجري على أرضها، حيث يمكن لفئة قليلة أن تفشل بلدا أو جيشا فائق التسلح. ومن آثارها السيئة أنها لا ترى العدوّ، لأنه لم يعد يملك زيا عسكريا. قد يكون أيّ شخص، الجارُ والمارّ والأليف. ذلك أن العدو صار عصيا عن الإمساك.

فرنسوا بورغا: \'قنابلنا\' هي خير دعاية يستعملونها لحشد من سيقررون ذات يوم قذفنا بمثلها

ومن هنا تنفلت التهويمات من عقالها، فنبحث عن أدنى إشارة وأدنى دليل قد يفضح العدو: لون البشرة، لكنة أجنبية… ومن تبعاتها أيضا أن الفرنسيين سيفقدون حريتهم في مقابل مراقبة أمنية متزايدة. ويشير سيرولنيك إلى أن المسؤولين مدعوون إلى تغيير سياستهم في نقطة محددة، فقد ساعدت الحكومات المتعاقبة ضواحي المدن الكبرى ماديا، ولكنها أهملتهم ثقافيا. ويدعو إلى إعادة إيجاد نوع آخر من التربية في تلك الأحياء، مع مناقشات ومناهج متفتحة، لمقاومة الهيمنة الطائفية التي تنمو حول الثلاثي: “دين وقائد ومنقذ”.

وهو ما يؤكده أيضا موريس زفران الكاتب والمحلل السياسي في قوله: “لا أحد ينكر أن منظومتنا الجمهورية تواجه مشاكل حقيقية مع الإسلام في بلادنا واندماجه، ولكن لا علاقة بذلك مع الحرب التي تفرضها داعش على الغرب كافة وفرنسا بوجه خاص، وحسبنا أن ننظر إلى الشباب الفرنسي ذي الثقافة الإسلامية وهو يعبر عن ألمه باكيا على مختلف قنواتنا الإخبارية”.

ولكنه يحذر ممن يجد في هذه الأحداث فرصة ليصفي حسابات عنصرية مع المسلمين كالفيكونت فيليب دوفيلييه الذي يسوّي بين مسلمي فرنسا كافة وقتلة داعش الإرهابيين قائلا: “انظروا أين قادنا التراخي ومَسْجَدة فرنسا” (والعبارة له كإشارة إلى كثرة المساجد فيها).

ويعلق زفران: “من المؤسف أن هذا الكلام الأجوف يجد أذنا صاغية لدى فئة من المجتمع تدين المسلمين أيّا ما يكونوا وما يفعلوا أو يفكروا أو يقولوا”.

أمين معلوف: الأعمال الإرهابية تضرب بجذورها في التفكك السياسي والأخلاقي

بين المبادئ والمأساة

الدعوة إلى الحزم في مواجهة إرهاب الجماعات الأصولية طاغية على كل المواقف، حتى وإن أدّت إلى تقليص الحريات والدوس على المبادئ. هذا مثلا كاتب آخر هو ألكسندر دوفيكيو يتساءل: “هل نفهم أخيرا أن الإرهابيين يعيشون بيننا. هذا زمن القتلة ولا بدّ من إعداد المحاربين. ماذا كان يمكن أن يفعل دانتون أو كليمنصو أو ديغول أمام هذا التهديد؟ لا شك أنهم سيعلقون عددا من الحريات العامة، حتى لا تتعالى أصوات الجمعيات “الإنسانية” كلما وقع استنطاق أحد المشتبه فيهم، ولن يقنعوا بتسجيلهم في قوائم “م” ( مقابل suspect S) لأننا إن لم نردّ بسرعة وبقوة فسوف ينوب عن الدولة المرتعشة مواطنون قلقون. آسف مرة أخرى أن يدفع الثمن مسلمون أبرياء، يستنكرون بشدة ما يحدث”.

وهذا تحديدا ما حذر منه القاضي مارك تريفيديك الذي اعترف صراحة بأن الفرنسيين سوف يضطرون هم أيضا إلى غوانتنامو، بموافقة السياسيين ومباركة المواطنين.

ويقول “إما أن نحافظ على المنظومة القضائية التي تشترط إقامة الدليل لإيقاف شخص وسجنه، وإما أن نخرج عنها. أنا قاض، متمسك بالعدالة، وكم تمنيت أن نكون ناجعين مع المحافظة على مبادئنا، ولكن إذا لم نقدر، فسوف نهجر مبادئنا ونوجد غوانتنامو، التي انتقدنا الأميركان عليها”.

التشاؤم نفسه نجده عند الكاتب اللبناني أمين معلوف الذي كتب يقول “بعد كل عملية اغتيال، نتساءل في خوف هل أن الكابوس سينتهي؟ ولكن، بما أن تلك الأعمال تضرب بجذورها في التفكك السياسي والأخلاقي لعدة دول عربية وإسلامية، فليس من الواقعي أن نأمل في أن يكون هذا الجنون عرضيا.

فالمأساة لها من الضخامة والعمق ما يستلزم عشرات السنين لتجاوزها. ولن يشهد أحد من جيلي نهايتها”. وفي رأيه أن الفرنسيين مخيّرون بين أمرين: إما أن يتوصلوا لبناء مجتمع قائم على أساس القيم الكونية قادر على الصمود أمام صخب هذا القرن، أو يستسلموا لتدمير فرحة الحياة لديهم.

15