مثقفون في نصرة الإخوان.. ضعف الدفاع وزيف الحجج

حين قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، سارعت نخب مثقفة عربية إلى التهليل بالحدث باعتباره من تباشير اللحظات الديمقراطية وعنوانا لرد الاعتبار للشعوب، إلا أن ذلك الوهم سرعان ما تلاشى مع إعلان تلك الثورة عن نواياها حتى تجاه من أشعلها ودعا إليها وناصرها. الصورة تكررت مع تقدم نخب مثقفة عربية تدّعي الحداثة للدفاع عن الإخوان المسلمين وحقهم بالحلم في دولة دينية عكس اتجاه عقارب التاريخ.
الجمعة 2017/07/21
جماعة سلمية إلى حد ما

ما لا يمكن إنكاره أن جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 هي حزب سياسي يدعو إلى قيام دولة دينية، ويناضل مستعملا كل الوسائل والأساليب وفي مقدمتها العنف من أجل قيام تلك الدولة. فما الذي يدعو “مثقفين حداثيين”، هم كما يُفترض من دعاة قيام دول مدنية في العالم العربي إلى الدفاع عن حق الإخوان في إنشاء دولتهم؟

الشرعية التي يحرص الإخوان على التلويح بها وصارت أشبه بقميص عثمان هي واقع منتحل، ليس من الصعب احتواؤه وتغييره من خلال إثبات الخطأ التاريخي الذي قاد إليه، ومن ثم العودة بالأمور إلى نصابها الحقيقي حين يقوم الشعب بنفسه بسحب تلك الشرعية. وهو ما جرى في مصر أو في تونس.

أما الدفاع عن الحق في التعبير السياسي من جهة الاختلاف في الفكر وتصريف الشؤون السياسية فهو شرط لا يدخل في حسابات الجماعات الدينية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان التي لا ترى في الاختلاف نوعا من الحق إذا ما تعلق ذلك الأمر بالآخرين. فليس هناك من وجهة نظر تلك الجماعات مَن يفوقها معرفة بالحق. كيف لا وهي تنطلق من وهم امتلاكها تفويضا إلهيا يتيح لها النظر باستعلاء واستخفاف إلى الآخرين.

الجماعات الدينية لا ترى في الآخر المختلف إلا صورة العدو التي يجب أن تُهشم وتُمحى، أو على الأقل يُحرم ذلك الآخر من القدرة على التعبير عن اختلافه بأيّ وسيلة وصولا إلى تصفيته وإلغائه.

مارس المثقفون المتواطئون مع الإخوان نوعا من الوصاية على المجتمع حين أظهروهم كما لو أنهم خرافا ذبيحة

أما حين يلجأ بعض تلك الجماعات إلى إقامة تحالفات مؤقتة مع بعض القوى المدنية التي يفرضها الواقع، فإن ذلك لا يحدث إلا إذا كانت تلك الجماعات في حالة ضعف لا تسمح لها بالاستقواء على الآخرين. بالنسبة إلى الإخوان فإن كلفة وجودهم كانت دائما عالية.

سواء كانوا في المعارضة مطاردين أو منبوذين، أو في السلطة مسلحين بالقوة الغاشمة والرغبة في إعادة إنتاج المجتمع “الضال”، فإن التعامل معهم لن يكون ميسرا أو حتى ممكنا. لا لشيء إلا لأنهم لا يعلنون ما يضمرون. لن يكون غريبا والحالة هذه أنهم مهما اتسعت دائرة نشاطهم المعلن، فإن جزءا مهمّا من قواعدهم ذات المراس والخبرة، يظل مختبئا تحت الأرض.

رصيد الإخوان السري يظل مضمونا بغض النظر عن طبيعة مشاركتهم في الحياة السياسية. وهو ما صار مكشوفا بعد سنة الحكم البائسة في مصر، وثلاث سنوات من حكم حركة النهضة التونسية، شهدت فيها تونس غزوات بدائية غريبة عن الحياة التي عاشها التونسيون في كل ما مضى من عصورهم.

لم يستخرج الإخوان مادة غريبة عنهم حين تمكنوا من المجتمع بعد أن صارت السلطة وهي حلمهم الأبدي في قبضتهم. كانت تلك المادة جاهزة وهي مزيج من الحق الكامل والرغبة في تكريس ذلك الحق وتفعيله ثقافيا واجتماعيا عن طريق العنف.

كانت فلسفة الإخوان ولا تزال قائمة أصلا على أساس الحق في استعمال العنف من أجل هداية المجتمع. وهو حق اكتسبه الإخوان انطلاقا من إيمانهم بأنهم الجهة التي وقع عليها الاختيار من أجل القيام بذلك العمل المقدس. ضرورة اللجوء إلى العنف لم تكن في حاجة إلى شرح بالنسبة إليهم. فهل يستحق مَن كان العنف وسيلته في إخضاع الآخرين لهيمنته أن يُعرض في مرآة الديمقراطية كونه شريكا بريئا في الحياة السياسية ليتم التعامل معه بعد ذلك باعتباره ضحية؟

أعتقد أن مَن تورّط في الدفاع عن جماعة الإخوان من منطلق ديمقراطي عصري، إنما كان يمارس لعبا يُراد من خلاله خلط الأوراق وتزييف الحقائق. سنكون سذجا أو مغفلين لو قلنا “إن ذلك الفعل الجائر في مجانيته النقدية لا يليق بمثقف حداثوي”.

لقد التقيت مثقفين أظهروا إعجابا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كنت على يقين من أنهم يعرفون أن الرجل سيصل إلى مرحلة قطع الرؤوس من أجل الحفاظ على وضعه السلطاني. وهو ما جعل المسافة تتسع بين تركيا وحلمها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

الدفاع عن الحق في التعبير السياسي من جهة الاختلاف في الفكر وتصريف الشؤون السياسية فهو شرط لا يدخل في حسابات الجماعات الدينية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان التي لا ترى في الاختلاف نوعا من الحق

قبلها كان هناك مثقفون (حداثيون أيضا) بلغ الوله بهم بشخصيات مثل صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد إلى درجة وضعهم في مصاف القديسين والأنبياء. كانوا في الوقت نفسه لا يكترثون بمعاناة الشعوب التي عزلتها تلك الزعامات عن العالم. ولأن تهمة الجهل لا تليق بمثقف، ذلك لأن الجهل لا يستقيم مع الثقافة فإن الخيانة هي الصفة التي يمكن اعتمادها في ذلك الحيز الضيق أخلاقيا.

هناك قدر هائل من الارتزاق والمهنية المنحرفة في ما فعله ويفعله المثقفون العرب وهم يزيفون الحقائق بغية تضليل الرأي العام الذي يعرفون أنه مجرد صناعة. لقد مارس المثقفون المتواطئون مع الإخوان نوعا من الوصاية على المجتمع حين أظهروهم كما لو أنهم خرافا ذبيحة، وأخفوا صورة الذئب الذي كان مستعدا لكي ينشب أظفاره في عنق المجتمع. وهي وصفة مستلهمة من سلوك الإخوان أنفسهم.

فإذا لم يكونوا حكاما كانوا ضحايا. وهو ما جعلهم يرفضون الانتقال من موقع السلطة إلى موقع المعارضة حين عُرض عليهم ذلك الخيار في مصر. الحقيقة التي لا يمكن إنكارها يمكن تلخيصها في أن تلك الجماعة الدينية المتطرفة التي تقيمُ علاقتها بالمجتمع على أساس يقينها بضلالته كان من الممكن أن تفتك بالمجتمع بطريقة تفوق تلك الطريقة التي اتبعها المستبدون البائدون.

لو لم تكن هناك حكومة يقودها الشيخ الإخواني التونسي راشد الغنوشي أكان ميسرا لشباب تونس أن يكونوا حطبا لنار الحرب في سوريا؟ مَن يعرف تونس جيدا يدرك أن شعبها الذي يتصرف بانفعال لافت، هو بعيد كل البعد عن ممارسة العنف. لو لم يكن محمد مرسي هو رئيس مصر أحد التابعين للمرشد الإخواني محمد بديع أكان ممكنا أن ينتشر العنف في المدن والقرى المصرية؟

مَن يعرف مصر جيدا لا بدّ أن يدرك أن شعبها لم يعرف العنف إلا من خلال اللحظات التي استقوت فيها جماعة الإخوان على التاريخ. فهل يحق لأحد أن يتحدث عن الديمقراطية في مواجهة ذلك الهلاك الجماعي الذي تُنذرُ به جماعة الإخوان المسلمين.

13