مثقفون يجرّمون أنفسهم

الأربعاء 2015/01/14
العنف مرفوض بكل أشكاله لأنه لغة الضعفاء

في مرحلة الانحطاط التي تمرّ بها الأمة، نتيجة لتسلط المستبدين والطغاة على الحركات القومية العربية وبالتالي على المناصب الكبرى، ومن ثم بروز الأحزاب الطائفية تحت يافطة الإسلام السياسي، أصبح تأنيب الذات والنظر بسلبية إلى العروبة حدّ اعتبار العروبة والإسلام صنوين للعنف والإرهاب، أو كما وصفهما أحدهم قائلا: “إنهما كالماء والسمكة”.

إن استنكار واقعة الاغتيال هو فعل حضاري إنسانيّ، فنحن من ضحاياه بل ربما من أول ضحاياه، لكن ليس على حساب الحقائق والكرامة، وإنما ما نحتاجه هو دراسة هذه الظاهرة من داخل أنساقها، وبأقلام عربية ليست صريعة الأدلجة بشقيها، أعني ليست قومية حد العنصرية لا ترى في العرب سوى أمة ملائكية عظيمة لم تعرف في تاريخها سوى العدل والحق، وليست ناقمة على هويتها ظنًّا أن السخط وإلصاق العيوب بالعروبة والإسلام يعنيان اللحاق بالغرب المتحضر.

إن تجريم النفس وإيجاد المسوغات لكل الإساءات التي يتفنن بها متطرفو الغرب، يعنيان مسخًا للذات المسحوقة أمام هذا الغرب المهيمن فكريًّا وتقنيًّا وعسكريًا، هذا المسخ للذات لا يقود إلاّ إلى تطرف معاكس يلتقي والتطرف الدينيّ باعتبار أن كليهما يُكرّس العاطفة السلبية، ويزرع دوغما تتحول إلى عقيدة تكفيرية للمختلف، فالمتدين المتطرف الذي يشهر بوجوهنا نصوصه الدينية التكفيرية، مخرجا إياها عن سياقاتها التاريخية وأسباب النزول، يتجاهل قول الإمام علي بن أبي طالب “القرآن حمّال أوجه” هذا القول الذي يمكننا من تجنب سيل الفتاوى الرخيصة التي ملأت فضائياتنا، ويقينا شرّ التكفير والإرهاب تحت مُسمّى الجهاد.

تجريم النفس وإيجاد المسوغات لكل الإساءات التي يتفنن بها متطرفو الغرب، يعنيان مسخًا للذات المسحوقة أمام هذا الغرب المهيمن فكريًّا وتقنيًّا وعسكريًا

أما الذين يجرمون أنفسهم فتطرفهم لا يبدأ من التباهي بالإلحاد والانتقاص من الآخرين بما في ذلك العلمانيون الذين يضعون كلمة الكريم بعد القرآن، وحين ذكر الشخصيات المقدسة عند الناس يتوخون الاحترام ونعتها بما تعارف عليه المجتمع، بل يتمادون في اتجاهين، الأول الإمعان في تأنيب الذات والحط من الهوية وعقائد الناس والنظر إلى التراث والثقافة على أنها إرهابية ليصل الأمر ببعضهم وصم اللغة العربية بالإرهاب. أما الاتجاه الثاني فهو أخذ ما يقوله الغرب على أنه من المسلمات والبديهيات المتصفة بالنزاهة والعلمية.

أمام هذا الانحدار الذي تواجهه المنطقة، لا بدّ من مراكز بحوث ودراسات تمارس حريتها العلمية بلا رقيب سلطوي، لدراسة واقعنا الذي يسير نحو الهاوية أكثر فأكثر، فلا نجاة إلاّ بالعلم المبني على المحبة، حيث لا ضغائن الأيديولوجيات ولا كهنة المعابد ولا خطط المستشرقين. دراسات تشتغل على تفكيك منظومتنا الثقافية، وتتبع مصادر العنف والإقصاء في هذه الثقافة ومحاولة تجفيفها بالاستفادة من شذرات الماضي المضيئة وما توصل إليه كفاح البشرية من أجل حياة أفضل تصان فيها كرامة الإنسان وعقائده وحريته الشخصية، حيث لا استبداد أنظمة يعدّ عليه أنفاسه ولا راديكالية مُدججة بالعنف الثوري تارة وبالعنف الديني تارة أخرى.

مراكز البحوث التي تمدّ المجتمع بنتائج بحوثها، غير قادرة على العمل بلا زراعة الأرض التي تقف عليها، وأعني الالتفات إلى المدارس لتكون منطلقًا لمجتمع متسامح يؤمن بالتعددية، ويرى في السلام وثقافة اللاعنف بديلاً لا مناص منه، مع إلغاء مظاهر عسكرة المجتمع، وتفريغ قدرات الشباب في البناء والإبداع ومساعدتهم على بناء مستقبل زاهر.

هل القبول بإساءات الآخر لعقيدة غالبية العرب والسخرية من هويتهم، إلا دليل على أن ثلة المثقفين هؤلاء هم الوجه الآخر لثقافة

إن ما يمر به العرب راهنًا هو ما يدعو إلى الحسرة حين يتبارى ثلة من مثقفيهم بتبرير حتى الإساءات والاستفزازات لمتطرفي الغرب، كما حدث حين وقف بعض المبدعين مع الأنظمة القمعية المستبدة، فالعنف مرفوض بكل أشكاله لأنه لغة الضعفاء كما يشاع، لكن هل القبول بإساءات الآخر لعقيدة غالبية العرب والسخرية من هويتهم، إلا دليل على أن ثلة المثقفين هؤلاء هم الوجه الآخر لثقافة، إما أن تعادي ذاتها وتحتقرها وتركع أمام الغرب، وإما تؤله ذاتها فتتخذ من الإرهاب وسيلة لمحو الآخر، وهي في الحقيقة تمحو نفسها.

15