مثقفون يصنعون المستقبل

الخميس 2015/12/31
مجلة "الجديد" الثقافية انطلقت هذا العام كمجلة للفكر الرصين والحر

بعد سنوات من التخبط أملتها ظروف الحرب السورية أو الحرب الدائرة على الأرض السورية، تلك الحرب البشعة التي لم يعد خافيا على أحد هول نتائجها وخرابها على كل الجغرافية السورية وعلى كل إنسان سوري وعلى كل قطاعات الحياة.

إنها الحرب التي تقترب من إتمام عامها الخامس بلا حلول تقريبا بل مجرد قرارات لا طائل منها حتى الآن ومجرد وعود دبلوماسية وإنشاءات سياسية ومؤتمرات لم تستطع أن تنقذ طفلا سوريا واحدا من الموت أو اليتم أو الفجيعة ولم تستطع أن تنقذ عمارة واحدة من السقوط فوق رؤوس ساكنيها الذين هم في غالبيتهم في كثير من المناطق يسكنون العراء الإنساني والأخلاقي الذي يجتاح العالم.

كل شيء على حاله تقريبا سياسيا واقتصاديا لا بل في كثير من الأحيان، الأوضاع تسوء يوما بعد يوم وشهـرا بعد شهر لا سيما بالنسبة إلى الجـانب المعيشي الـذي يعيشـه أو يحـاول أن يتعايـش معـه إنسان الداخل، أي الإنسان الذي يـرزح تحت وطأة حرب لا أفق لنهايتها في القريب العاجل، أمام مستقبل مازال حتى الآن في عهدة المجهول.

الحالة الثقافية ليست أحسن حالا فمن الطبيعي حين يزدهر الخوف والرصاص والموت، أن تتضاءل مساحة الحلم ويترك ذلك أثره على القصيدة واللوحة وخشبة المسرح، فالناس مشغولة بهمّها المعيشي الموغل في واقعيته إذ أن غالبية الناس حتى لا أقول جميعهم مشغولون بهموم مثل الماء والكهرباء وأسعار الصرف في بورصة الموت السورية، والكثير منهم حتى لا أقول جميعهم، مشغولون بأمانهم الشخصي أو أمان عائلاتهم وأطفالهم والجميع يترقب وينتظر المعجزة التي ستوقف القتال.

ماذا يفعل المثقف أو الكاتب أو الفنان في خضم ظروف كهذه، ولا سيما من لم تتيسر له مغادرة تلك البلاد التي صارت في مجملها ثكنة عسكرية متنقلة، ماذا يفعل في خضم وابل من الرصاص قد يثبته في مكانه، فقط لأن أحد القتلى أو القتلة عاد من الجبهة شهيدا، تلك الكلمة التي اهترأت من كثرة استعمالها في قاموس الموت السوري.

لكن بالرغم من كل شيء تعتريني لمسة من التفاؤل بالنسبة إلى الحالة الثقافية عموما التي بدأت تأخذ نبرة مغايرة في الأشهر الأخيرة، ولا أتكلم هنا عن الثقافة الرسمية أو ما كان يسمى ثقافة الدولة فهي على حالها كي لا أقول أكثر سوءا، بل أتكلم عن الحالة الثقافية التي بدأ يضطلع بها أفراد هم في غالبيتهم نجوا من التراجيديا السورية بشقها الواقعي.

فقد بدأت مجموعة من الكتاب الشباب تأخذ مكانها في كثير من دول الشتات أو اللجوء وبدأنا نقرأ أسماء جديدة واعدة وبدأت مؤخرا قافلة من المواقع الثقافية التي يشرف عليها كتاب سوريون في غالبيتهم أو ممن عاشوا معظم حياتهم في سوريا ويحملون الهم السوري والعربي على عاتقهم ولا سيما الجانب الثقافي والإنساني، أذكر على سبيل المثال لا الحصر، موقع أشكال ألوان الذي انطلق مؤخرا من السويد، أو موقع الترا صوت وصحيفة أبواب التي انطلقت كأول صحيفة عربية في ألمانيا.

كما انطلقت أول دار نشر إلكترونية عربية تحت اسم كتابوك من فرنسا أيضا، ومجلة “الجديد” الثقافية التي انطلقت هذا العام من لندن كمجلة للفكر الرصين والحر، كل ذلك بإشراف مثقفين سوريين يحملون على عاتقهم الهم الثقافي والشأن العام، إضافة إلى كثير من المشاريع الأخرى التي يتم العمل عليها، منها صالون بيت القصيد الشعري الذي انطلق منذ فترة قريبة في دبي وأيضا بإشراف سوري ومنها مكتبة صفحات التي أنشئت هذا العام كأول مكتبة عربية في إسطنبول.

هكذا إذن لقد بدأ المثقف السوري يعرف طريقه جيدا خارج سلطة المؤسسات الرسمية التي مارست سلطتها لعقود طويلة وقزمت الفكر والإنسان، لقد بدأت الثقافة تتحرر، وحين يتحرر العمل الثقافي، لا بد أن يتحرر المستقبل.

شاعر وكاتب من سوريا

15