مثقفو الرفاه والكوارث والنكبات

الأحد 2014/10/26
أنا فهلوي إذن أنا موجود

ترجعنا هذه العبارة منطقية الطابع إلى ديكارت ذات يوم وهي مختصرة حيث قال: “أنا أفكر إذن أنا موجود”. وما قاله تالياً وبعد عدة مئات من السنين، سارتر الوجودي: “أنا حر، إذن أنا موجود”. وعلى منوالها نُسِجت عبارات كثيرة، من بينها، ما قاله النجم السينمائي المصري الراحل يوسف وهبي: “أنا أجك إذن أنا دبوس”. لكن، وراهناً أكثر، بات في الإمكان من يقول بينه وبين نفسه: “أنا فهلوي، إذن أنا موجود”.

الفهلوة، كتعبير جمع بين الذكاء والخفة والشطارة وتحقيق المرغوب فيه بطرق غير مشروعة.

هذا يذكرنا بقول رافائيل باتاي في كتابه “العقل العربي- الترجمة العربية 2009” من أن ( الفهلوي شخصية ذكية انتهازية .ص 191)، ولا بد أن الانتهازية تستمد حضورها من وجود باع طويل ونافذ لمفهوم الذكاء عند الانتهازي خفة وشطارة وبراعة مناورة.

الفهلوي يكون إذن ذلك الشخص المتمتع بقدر ملحوظ ومكتشف، ولو بعد حين، من الذكاء والنباهة واليقظة والفراسة والقدرة في الالتفاف على الفكرة أو الموضوع وصولاً إلى الغاية بطريقة لا تخلو من حيلة أو مراوغة أو مكر.


أكل الكتف


يمكن أن نذكر على سبيل المثال ما يرد في سياق “فلان يعرَف من أين تؤكَل الكتف”. الكتف ملحوظة وبارزة في المرء، ثم إنها تخل بتوازن المرء، مثلما أنها تستشرف قواه أو مركز التوازن في جسده بالكامل، كما في الحديث عن “كاهل المرء”، وعلى الأكتاف يكون الارتقاء أو البروز.

على صعيد الفهلوة، ثمة حالات النتر أو الخطف، أو الخلسة المعتبَرة، كما هو مفهوم الانقضاض، وربما يتطلب الحصول على المراد تبعاً لمخطط مدروس ويستغرق وقتاً، كما يتربص بطريدة أو فريسة، بحسب المرصود، كما في نيل منصب أو الحصول على وظيفة، أو ترقية…الخ.

مجتمع الفهلوة في عالم اليوم، يقدم الكثير من النماذج المستحدثة، فما أكثر الذين يضحون في سبيل القضية الرئيسة: تغيير المجتمع نحو الأفضل وإزاحة الظلمة وبطانتهم، دونما التفاتة إلى مردود معين أو انتظار من يقول لهم ما يفرحهم، لأن ثمة توحداً مع الفكرة، لنجد في الجوار أو على مقربة من يسارع إلى نصب الشباك أو التشويش على الوضع نفسه، وتمثيل أولئك الذين يندفعون إلى الأمام دون تفكير في العواقب لوجود إخلاص للقضية، ليتركوا فراغاً ما من حولهم، وهو الصيد الثمين والمترقب لهذا الفهلوي أو ذاك.


كاتب نجومي


وما يجري في سوريا منذ سنوات ثلاث ونصف، كمثال مؤثر، كاف لأن يسمّي جمعاً عصياً على الحصر ممن يندرجون في دائرة "الفهلوة!”، ويعني ذلك أن الفهلوة داخلة في التأريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والنفسي للمجتمع، إلى جانب أن الفهلوي، وبحسب وضعية المجتمع يتميز بعلامة معينة ولقب معين تقديراً: فهلوة سياسية، ثقافية، اجتماعية…الخ، باعتباره نشالاً خاصاً طبعاً، بما أنه يحتكر غيره، أو يمارس سطواً على جهود آخرين، ويمنعهم من القيام بما يمكنهم القيام به، فأن نتعرف إلى شخص في واجهة المجتمع باعتباره كاتباً نجومي الأبعاد، وكذلك ناطقاً تحت الأضواء، ممثّلاً لهذه الشريحة الاجتماعية، أو مجموعة اثنية مضطهدة، أو غيرها، وعينه مركّزة على الهدف، ومن خلال مجموعة من الشّباك المنصوبة وبمؤازرة أشخاص داخلين معه في شراكة معينة، ربما يكون لهم دور لافت في عدم تحقيق الأهداف، أو في تسهيل خرق الصف أو شقه، والدفع بالمجتمع نفسه إلى المسلخ.

الفهلوي كائن بيزنس، عدّاد مصالح، يتعامل مع الأرقام، متلون، له علاقة قربى عميقة بخاصية “الحرباء”، إنه الإيقاع بمن حوله، بالتوادد والاستدراج إلى الشرَك، ممن يجد فيه أهلاً للتقدم إلى الأمام من خلاله، أو التسلق على كتفه، وفي الوقت نفسه، يكون الفهلوي مطلوباً، لأن المجتمع الذي يعرَف عن أنه مجتمع العيارين والشطار، حيث يتكاثر فيه أصحاب الوجاهات وأشباه الأميين واقعاً، يمثّل أرضاً شديدة الخصوبة لتخريج أفواج من أصحاب الفهلوة، بقدر ما يكون الطلب عليهم من الداخل والخارج، باعتبارهم عولميين، وما أدرى المنتمي برغبة أو دونها ما هي العولمة وما يبرز في سياقها راهناً، وقد تزايدت أعداد الفهلويين وتشعبت صنافتهم والكم اللافت من أقنعتهم وألقابهم من ميديولوجيين وكتّاب تحت الطلب وممثلي شعوب وأمم ومقرري مصائر جماعات ومحرّري صكوك غفران وشيكات متعدي الحدود هنا وهناك.

كاتب من سوريا

11