مثقفو الميديا

شخصية المؤلف وسرديته الذاتية أهم من مؤلفاته، مؤلفات ما انفكت تتضاءل حتى غدت مجرد مقالات مطوّلة، عملا بمنطق جديد يقوم على كيفية بناء شهرة واسعة في الحقل الثقافي انطلاقا من مواقف شبيهة بصنع صورة رياضي أو ممثل.
الخميس 2018/10/04
السيلفي تفي بالغرض

ما الذي يفرض مكانة هذا المثقف أو ذاك على الساحة ويمنحه سلطة معنوية؟ مسيرته الجامعية أم أعماله التي تقرّها الهيئات العلمية، أم حضوره الدائب في المنابر الإعلامية وتدخله المنتظم في قضايا الساعة؟

  هذه المسألة أثيرت مؤخرا على موجات فرنسا الثقافية، بعد أن حصل ما يشبه الإجماع على نهاية المثقفين الفرنسيين منذ مطلع السبعينات. تلك النهاية التي عالجها الموريسي سودير هازاريسينغ، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بأوكسفورد، في كتابه “هذا البلد الذي يحب الأفكار”، ترافقت مع بروز الفلاسفة الجدد، وتفشي ظاهرة مثقفي الميديا.  فبعد أن كان المثقف، بمعنى الفاعل في مجتمعه بالقول والتنظير والمراس، ينطلق من فلسفته وأيديولوجيته الخاصة ليناهض السلطة ويدافع عن الطبقات الكادحة أو المهمشة ويطلعهم على حقوقهم، على غرار سارتر، أو يلتزم بالقضايا المتصلة بعلمه وتخصصه، ويشفع ذلك عمليا بتكوين مجموعات عمل ومتابعة، شأن فوكو، لم يعد لمثقفي اليوم حقل اختصاص، بل باتوا يخوضون في القضايا كلها على المنابر الإعلامية.

هؤلاء لا يستندون إلى إنتاج نظري أو مكانة علمية، بل إلى قدرتهم على إثارة الجدل، في أي موضوع يجدّ، فغايتهم كما قال جيل دولوز ليست سوى الماركيتنغ، أي تسويق مواقفهم ومؤلفاتهم كما تسوّق البضائع. ثمة من يعزو ذلك إلى تلاشي الحدود السياسية التي كانت تفصل بين اليمين واليسار، حين كان لكل طرف مفكروه ومنظروه، ثم اختلط الحابل بالنابل، فألفينا من مثقفي اليسار من برّر الحرب على العراق، ومن المحسوبين على اليمين من ناهض الإمبريالية الأميركية باسم السيادة.

 وبذلك تمّ الانتقال من المثقف المحكَّم  auctoritas إلى مثقف الميديا، وصارت شخصية المؤلف وسرديته الذاتية أهم من مؤلفاته، مؤلفات ما انفكت تتضاءل حتى غدت مجرد مقالات مطوّلة، عملا بمنطق جديد يقوم على كيفية بناء شهرة واسعة في الحقل الثقافي انطلاقا من مواقف شبيهة بصنع صورة رياضي أو ممثل. وما أبعدنا عن مقولة فلوبير: “الأعمال الجليلة تمحو أصحابها”.

ولو نقلنا النظر في ساحتنا الثقافية العربية، لوجدنا أن كثيرا من الأسماء “البارزة” اليوم، لا يستمدون شرعيتهم من إسهامات جليلة أو نظريات مبتكرة أو مواقف مبدئية داوموا الدفاع عنها، بل من مدى ظهورهم المنتظم في منابر الفضائيات، ومن جماهير لا تقرأ، رسخ في ذهنها أن المتميز هو الذي يرتاد التلفزيون بانتظام.

يقول كريستيان سَلْمون في كتابه الذي عنونه بالإنكليزية Storytelling (سرد قصصي) إن عبارة “مثقف الميديا” تحمل تناقضا بين المصطلحين، ودليلا على انحلال صورة المثقف، حتى أمسى من مآثر الماضي”.

15