مثقفو تونس والذاكرة المخرومة

الأربعاء 2013/12/11

المثقف ضمير عصره، وهو طارح أسئلة جارحة، وباحث عن الحقيقة. فهل ينطبق هذا التوصيف على مثقفينا العرب، وبينهم المثقفون التوانسة؟

ما ليس خافيا على أحد أن المثقفين التونسيين في عمومهم يقفون صفّا مرصوصا خلف بشار الأسد، وقوفهم من قبل خلف صدّام حسين في متاهته، والحال أن الوضع مختلف، فهذا كان ضحية حرب عدوانية عقبت حصارا مريرا دام ثلاثة عشر عاما، لم نكن نملك إلا أن نتعاطف معه ضد معتد غاز مدجّج بأحدث وسائل التدمير، ومع إخوة لنا عانوا الويل سنين طويلة، وذاك أشعل البلاد بمن فيها، للبقاء في السلطة. فالذين خرجوا منذ منتصف شهر مارس / آذار 2011 في درعا ثم في حماة وحلب وحمص وإدلب ودمشق وسائر المدن السورية وأريافها، إنما ساروا سيرة إخوانهم في الأقطار الأخرى، مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين، وحتى في المغرب والجزائر والأردن بدرجة أقلّ، بعد أن ضاقوا ذرعا بجور الحاكم واستبداده وفساد بطانته وحاشيته، مثلما ضاقت صدورهم بالكبت والظلم والقهر. ولم تكن مطالبهم تتعدى حقهم في مواطنة كريمة، تضمن لهم أبسط ما تنعم بها شعوب الدول المتحضرة. ولكن النظام السوري أنكر عليهم ذلك، وقمعهم قمعا رهيبا لم يسلم منه حتى الأطفال ( تذكروا ماذا فعلت شبّيحته بالأطفال حمزة الخطيب وشنتال عواد وفاطمة المغلاج وأديل زعتري ) حوّل تلك المظاهرات السلمية إلى تمرد ينادي أصحابه صراحة بتغيير النظام. فالمنطلق هنا أيضا هو نفسه الذي عاشته أقطار الربيع العربي الأخرى. فكيف للتونسيين إذن أن يتجاهلوا بمثل هذه السهولة حركة شعبية اقتدت بهم، ويقفوا خلف حاكم تثبت التقارير والصور والفيديوهات وشهادات الناجين من الجحيم يوما بعد يوم أنه لا يختلف عن أبيه في سفك الدماء؟

بعضهم يفسر ذلك الموقف بأنه إنما يصدر تشفيا من حركة النهضة ومن سائر الحركات الأصولية التي ساندت الثورة في سورية لغايات أخرى ونددت بسياسة بشار وحزبه الحاكم وطائفته المتحكمة في دواليب الدولة والمتسلطة على الرقاب ودعت إلى إسقاطه.

وفي رأينا أن ذلك ينمّ عن تناقض صارخ، فالذين نزلوا إلى الشوارع والساحات منادين بسقوط بن علي هم أنفسهم الذين يدافعون اليوم عن بشار، ويجدون العذر لجرائمه، وهم أنفسهم الذين يرددون عن وعي أو غير وعي أقوال المخلوع التونسي، وقد صارت ترِد اليوم على لسان طاغية آخر، بأن الثوار - بلا استثناء - هم شرذمة ضالّة، وعصابة مخربين، وحفنة متآمرين مأجورين، ومجموعات إرهابية تريد شرّا بالوطن المفدّى. وما ذلك إلا تلوّن بحسب ما تقتضيه اللحظة، وخضوع للأهواء بدل إعمال العقل.

والبعض الآخر يبرر موقفه بنصرة "بلد الصمود والتصدي"، المناجز لأعداء الأمة المتآمرين على أمنه وكيانه ووحدة ترابه، والحال أن طاغية دمشق هو الذي جلب الأعداء إلى بلاده بسبب سياسته الرعناء، مثلما جلب من قبله صدّام القوات الأمريكية إلى الخليج العربي باحتلاله الكويت. ولو عالج المسألة بحكمة، كما فعل ملكا المغرب والأردن مثلا، لما فتح على بلاده أبوابا لن يجيئه منها غير رياح عاتيات تقتلع كل قائم. ولكنه سار على نهج أبيه، الذي أورثه السلطة مبتدعا بذلك نظاما لم تعرفه البشرية على مرّ التاريخ إلا في كوريا الشمالية هو "الجملكية" مثلما ابتدع من قبله القذافي "الجماهيرية"، وبدل أن يحوّل سورية إلى جنة على وجه الأرض كما وعد عند اعتلائه سدّة الحكم، حوّلها إلى مقبرة جماعية، مثلما فعل أبوه بمدينة حماة عام 1982.

لقد بات التراب السوري اليوم ساحة حرب، حرب كالهدرة لها أكثر من رأس، حرب أهلية بين جيش نظامي وجيش يلقّب نفسه بالحرّ، وحرب طائفية بين السنّة والشيعة، وحرب إقليمية أطرافها إيران وحزب الله من جهة وتركيا وبعض دول الخليج من جهة أخرى، وحرب دولية، قطباها روسيا من ناحية وأمريكا ومن والاها من دول الغرب من ناحية ثانية. والأدهى من كل ذلك أنه تحول إلى ميدان جهاد للجماعات السلفية الإرهابية، المتعددة الجنسيات، التي تدعو إلى إقامة دولة إسلامية تضم العراق وسوريا في انتظار ما يأتي به الغد المجلل بحمرة الدم العربي. وبذلك لم يكتف بشار بسفك دماء شعبه، بل فتح المجال أمام القوات الأجنبية، موالية كانت أم معارضة، لفرم لحم الإنسان السوري. ومع تسارع الأحداث، اختلط الحابل بالنابل، ولم يعد يلوح في الأفق غير الدمار.

لقد أصبحت سورية تذكر بما حل بإسبانيا زمن الحرب بين الجمهوريين والفرانكيين في القرن الماضي، وصارت المدن المدكوكة تذكر بغرنيكا. وحسبنا أن نعيد قراءة كتاب جورج أورويل "تحية إلى كاتلونيا" الصادر عام 1955 لنفهم، ولو قليلا، المأساة السورية. فروسيا وإيران متورطتان في الجرائم الجماعية التي يقترفها النظام السوري تورط ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في جرائم قوات فرانكو. وتردد المجتمع الدولي في نصرة الديمقراطيين السوريين كان له نفس الأثر السيئ الذي خلفه تردد الديمقراطيات الغربية آنئذ في مساندة الجمهوريين الإسبان. أما الستالينيون الذين أدانهم أورويل في برشلونة منذ عام 1938، فهم لا يختلفون عن الجهاديين في راديكاليتهم وعنفهم ونزوعهم إلى الشمولية ومصادرة الحريات.

ونأتي إلى السبب الآخر الذي يبرر به جمهور عريض من المثقفين التونسيين مساندتهم بشار.

إن اعتبار سورية بلد الصمود والتصدي فيه كثير من التجني على الحقيقة التي يعرفها حتى رجل الشارع، فالنظام السوري منذ حرب أكتوبر 1973، لم يطلق رصاصة واحدة ضد العدو الصهيوني، ولم يردّ على خرقه المجال الجوي السوري مرارا وتكرارا، ولا على عملياته العدوانية المهينة، ولم يحاول، مجرد المحاولة، استرجاع الجولان، فسلاحه كان منذ ذلك الوقت موجها إلى صدور العرب، اللبنانيين والفلسطينيين بخاصة. أكثر من ذلك، تواطأ مع الغريب ضد القريب، سواء في الحرب العراقية الإيرانية، أو في العدوان الأطلسي الأول على العراق. أما تآمره على القضية الفلسطينية، فحدث ولا حرج.

في كتابه الأخير "الشرق الأوسط الجديد - الشعوب في زمن الثورة السورية"، يقول جان بيار فيليو، الأستاذ بمعهد العلوم السياسية بباريس، إن بشار لم يسع إلى تغيير المعمار الذي بناه أبوه من قبله، والقائم على قواعد خمس هي تجميد جبهة الجولان، والحرص على تبعية لبنان، والدعم المالي الخليجي، والمساندة العسكرية السوفييتية، والتحالف الاستراتيجي مع إيران. ولكنه لم يستطع أن يحافظ إلا على تحالفه مع ملالي إيران، ومع "الديمقراطي الكبير" بوتين جزار الشيشان وأبخازيا وأوستيتيا، فضلا عن سكوته عن الأرض السليبة. أما "المحمية" اللبنانية، فقد أضاعها بعد تورطه في اغتيال رفيق الحريري، وأما أموال الخليج، فهي تصرف اليوم بالقناطير المقنطرة لأعدائه، بعد أن ملّ الخليجيون من نظام مارس ضدهم شتى أنواع الابتزاز.

فكيف نعتبر سفاحا كهذا بطلا قوميا، ننادي باسمه، ونرفع صوره، ونروّج ألاعيبه ونصدّق كذبه، وننعت كل من يفضح دجله بالخائن والعميل والصهيوني... إلى آخر الملزومة ؟

أن ندين الجرائم البشعة التي يرتكبها الإرهابيون باسم الدين لا ينبغي أن ينسينا دور بشار في تحويل ثورة من أجل الكرامة والمواطنة الحق إلى صراع طائفي، استقدم لإذكاء ناره شيعة إيران وحزب الله، وهيأ له عوامل فتنة ليس أقلها إفراغه السجون السورية من المتشددين الإسلاميين رغم علمه بما يَكنّون له ولنظامه من عداء. بل إن ثلاثة ممن أطلق سراحهم هم الآن على رأس تنظيمات إرهابية، حيث يقود حسن عبّود "أحرار الشام"، وعيسى الشيخ "صقور الشام"، وزهران علوش "جيش الإسلام". أما أن نمجّد طاغية يدمّر بلاده بأحيائها ومعالمها وآثارها ومؤسساتها ومدارسها وحقولها وبساتينها، ويشنّ على شعبه حربا أبادت من أبادت وهجّرت من هجّرت بمئات الآلاف، فلن يلحقنا من ذلك غير الخزي والعار.


كاتب تونسي

9