مثقفو دولة القبيلة

الجمعة 2016/07/15

أثار افتتاح مهرجان مدينة الحمامات التونسية في دورته الـ52 من خلال عرض مسرحي بعنوان “نافذة على…” للمخرجة رجاء بن عمار جدلا واسعا، رجحت فيه الكفة إلى الاستياء، سواء من قبل المسرحيين أو المتفرجين.

مشكلات العرض كثيرة، بداية من الصوت الذي لم يكن واضحا، إضافة إلى أن العرض رغم محاولته التعويل على تقنيات بصرية حديثة فإنه وقع في التكرار، ورغم المجهود الكبير الذي بذله الممثلون الشباب فإنهم لم يتمكنوا من إبلاغ مرامي العمل إلى المتلقي، علاوة على ذلك كان النص مفككا ضعيفا لا ترابط بين مفاصله، حتى أنك لا تكاد تخرج بجملة واحدة مفهومة، رغم محاولة المخرجة لإقامة رحلة عفوية بين قضايا إنسانية شائكة، بين ما هو ذاتي في غربة الذات وتشيّئها وسجنها داخل القضبان والبنى الاجتماعية والثقافية المتكلسة، ثم عن هذه الذات في سفرها من عالمها المحيط الضيق إلى العالمية، حيث عالم كامل يتداعى تحت وطأة الحرب وحركة الحياة المفرغة.

لكن ما يثير الانتباه عند خروجنا منهكين من عرض لا يمكنه في النهاية أن يختزل تجربة المسرحية التونسية رجاء بن عمار الممتدة على أكثر من ثلاثين سنة، هو ما ردده البعض وخاصة من المثقفين، حيث أن أحدهم كان يصرخ “ماتت رجاء”. وقد تواءم البعض مع القول بهذا القتل المجازي، والحكم بالموت على مخرجة ومبدعة.

قول القتل لا يختلف كثيرا عن ممارسته، فقد ساهمت الدكتاتوريات في إنتاج نوعين أساسيين من المثقفين، الأول هم المثقفون الرسميون أو مثقفو البلاط وحواشيه وهم “الكبار” الذين يتحكمون بمفاصل الفعل الثقافي، يرفعون هذا ويسقطون ذاك، بينما هم الواجهة التي لا شريك لهم فيها، وفي جهة مقابلة المثقفون المهمشون، الذين لم يحظوا برضا “الكبار”، وهذا ما خلق علاقة متوترة بين نوعين من المثقفين وصلت إلى حدود القتل، قتل خفي وبارد يمارسه المثقفون الرسميون بتهميش من لا يتماشى ورؤاهم، وقتل غاضب يمارسه المهمشون تجاه من يمثلون سلطة ثقافية تصدهم.

لكن المثقفيْن الرسمي والهامشي يشتركان في جزئية هي أن كليهما لا يؤمن لا بما قبله ولا بما بعده، كل محصور في رؤيته الذاتية التي هي الطريق الأوحد ضرورة. لذا فالقتل نتيجة حتمية للدكتاتورية التي تخلق الوجه الواحد والرؤية الواحدة، بينما ذلك مستحيل في التنوع والاختلاف الطبيعي والفكري، وغير ذلك ممّا تفرضه شروط الوجود.

في مستوى آخر هناك مجموعة من الشباب التونسي اقترحت على نفسها مشروعا أدبيا جديدا، وفي إحدى لمات هذه الجماعة سمعت من الشبان غضبا كبيرا على المثقفين الذين يرونهم رسميين، أحدهم كان يشتم نجيب محفوظ مثلا ماحيا إياه من خانة الكتّاب، هو قتل أيضا، قتل لما دخل في باب الاعتراف الجماعي وبات واجهة رسمية معترفا بها، وهذا طاقة غضب جاهلة لا تؤمن بأن المعرفة تراكم.

هنا نتساءل هل على الإبداع والمثقف أن يظلا في الهامش ليكونا بصحة جيدة؟

ونرى هنا أنه مما ساهم في تفكك المثقفين وتخندقهم وراء كتائب صراع هو بدايةً الدكتاتورية السياسية، لكنها ليست المسؤول الأوحد على ذلك، بدليل أن اختفاءها في تونس مثلا لم يشف المثقفين من مواصلة القتل تجاه بعضهم البعض، بينما لا نقد موجها للمنتج الإبداعي. ومردّ هذا الوضع له أسبابه العميقة، نذكر البعض منها، ابتداء من المسببات الاجتماعية، حيث مازلنا نعيش اليوم بعقلية نظام القبيلة مهما أخفينا ذلك، لذا فمجتمعاتنا ليست ديمقراطية ولا مدنية، ومن الحتمي أن تخلق الفرد القبليّ الذي لا يهمه غير ذاته القبليّة، وهو مستعد أن يقتل من أجلها، وأن يلعق بلاط أيّ سلطة كانت، وأن يفعل أيّ شيء. إضافة إلى اندثار البعد القومي وغيره من الأسباب.

يطول اقتراح الحلول التي أغلبها بأيدي المثقفين أنفسهم، ولا نذكر منها إلا أن يكونوا أحرارا حتى من روابط الذات، وأن يقدموا على خلق حراك يتحلق حوله الجميع في اختلاف صحي همه الأوحد الإبداع. أما نظرية التدافع والتخندق التي أتى بها نظام الإخوان فهي لائقة أكثر بالغابة، وليس بالدولة المدنية الحديثة.

شاعر من تونس

14