مثقفو مصر يحتفون بمجلة "الجديد" في ندوة بالقاهرة

في لقاء نظمته مكتبة “البلد” بالقاهرة، احتشدت نخبة من المثقفين العرب، لمناقشة هموم الثقافة والمثقف العربي في ظل الأزمات والأحداث الراهنة التي تعصف بالعالم العربي، وذلك بمناسبة صدور مجلة الجديد اللندنية كمنبر للثقافة الرفيعة، والتي تحمل شعار “فكر حر وإبداع جديد”.
الأربعاء 2015/05/20
الجميع أجمع على أن مجلة الجديد ستكون نافذة المثقف العربي المغايرة

القاهرة- احتفى عدد كبير من المثقفين المصريين بمجلة الجديد اللندنية التي صدر العدد الأول منها في فبراير من العام الجاري، وهم الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي، والناقد الدكتور يسري عبدالله، والباحث السياسي نبيل عبدالفتاح، والكاتب الدكتور وحيد عبدالمجيد، والروائي يوسف القعيد، والكاتب أحمد الجمال، متمنين أن تنجح المجلة في أن تعبر عن هموم المثقف العربي، وأن تكون صوتا معبرا قادرا على تقديم كل ما هو جديد في مجال الثقافة والفكر، وأن تنجح في طرح الأسئلة الهامة عن المشاكل التي تعصف بالعالم العربي.

بدأ الشاعر السوري نوري الجراح، رئيس تحرير مجلة الجديد، حديثه قائلا: الحديث عن مجلة “الجديد”من القاهرة يدعو للاعتزاز، تلك العاصمة التي شهدت ولادة مجلات عظيمة مثل “المقتطف”، “الرسالة”، “المنار” “الهلال”، فضلا عن الجرائد الكبرى، مثل الأهرام وغيرها، والتي قربت بين جغرافتي الشام ومصر، علامات ثقافية كبرى ربتنا عليها المطابع المصرية، ووجودنا في القاهرة هو وجود في روح مصر.

وتابع قائلا “ليس لدي شك أن كافة الأزمات التي تمر بها مصر والشام ما هي إلا مخاضات سنخرج منها أقوياء، وهذا ليس من باب المديح أو التفاؤل المتسرع، بل هو ثمرة إيمان بعبقرية الأمكنة، عبقرية مصر، وعبقرية الشام. عبقرية الأمكنة الحضارية التي أمدتنا على مدار عصور بأسباب الإبداع”.

الجراح لفت إلى أن تقديم مجلة "الجديد" في القاهرة يأتي في إطار كونها المكان الأمثل للإعلان عن انطلاق المجلة، وهي العاصمة العربية الوحيدة التي تم الإعلان فيها عن المجلة على نحو واسع

المنبر الجامع

فيما طرح تساؤل خاص “هل بالإمكان وجود منبر ثقافي عربي جامع يخرج من أي مكان؟ ويتخطى حدود المحليات والتفتت والصغائر والقبائلية والقطريات الصغيرة؟” مشيرا إلى أن مجلة “الجديد” التي تخرج من العاصمة البريطانية لندن، بما هي مهجر، وبما هي منفى عربي متجدد، تعبر عما يدور في أذهان المثقفين والمبدعين العرب المنشغلين بفكرة الحرية، والمتطلعين إلى حاضر عربي مختلف عما سبق، ومستقبل يليق بسليلي ثقافة ضاربة الجذور في التاريخ هي الثقافة العربية، رغم اعتماد المجلة على إمكانيات بسيطة، إلا أن تطلعها كبير، وهو أن تكون جسرا بين جغرافيات الثقافة العربية.

وتطرق الجراح إلى فلسفة اختيار الاسم، قائلا: “الجديد” عودة إلى أصل المسألة الكامن في فكرة التجديد. أن نعيد فكرة التجديد إلى أذهان المثقفين بعدما استهلكت الثقافة العربية مفردة الحداثة التي اغتصبت فكرة التجديد، ولطالما كان لها -الحداثة- وقع ملتبس في الأذهان والمخيلات، منذ ربع القرن الأخير، تحولت معه الكلمة إلى خرافة، لا يوجد لها تعريف يطابق حجم تحققاتها في الواقع. من هنا عدنا إلى السؤال الأكثر رسوخا الذي يتيح فرصة للإجابة عن السؤال حول المتحقق جماليا وفكريا على أرض التجديد.

المبتكر والمستحدث

واستطرد الشاعر: من معاني الجديد وفقا لتاج العروس والقواميس العربية، “المبتكر”، و”المستحدث”، ومن هنا تريد المجلة أن تستقطب وتحتفي بالكتابة الجديدة فضلا عن إتاحة الفرصة لثقافة الحوار والسجال وثقافة الاختلاف، ثقافة الإنصات إلى الآخر، وبدهي أن هذا لا بد أن يحدث انطلاقا من وعي أن جغرافيات الثقافة العربية تنطوي على تنوع كبير، وله مظلة جامعة هي اللغة العربية، والتطلعات المشتركة، التي يمكن أن نبين منها مجتمعين مشروعا عربيا ما أحوجنا إليه اليوم في ظل مشروعين تدميريين، لكنهما فاعلان حتى الآن، هما المشروع الإسرائيلي المقيم طويلا في ظهرانينا والمشروع الإيراني في هجمته الأخيرة وقد اتضحت معالمه. وفي نظري ان لا يمكن لمشروع عربي أن يقوم إلا على ارض الثقافة أولا، وانطلاقا منها.

يوسف القعيد: هل مشروع المجلة فكري أم أدبي وكيف ستواجه المنافسة الشرسة

وأضاف الجراح: لا أستطيع ان أختصر مشروع المجلة وتطلعاتها في كلمة، فالعودة إلى بيانها التأسيسي ربما تكون مفيدة لأخذ فكرة عن المشروع في مستقبله المتوقع، ولكن أفضل شيء هو تصفح موضوعات المجلة وملفاتها في الأعداد الأربعة، حتى الآن، والنظر في خارطة الأسماء العربية مشرقا ومغربا التي شاركت في الكتابة.

هناك محاولة لاستقطاب كتاب من كافة أنحاء العالم العربي، وعلى هذا الأساس، نشرنا نصوصا فكرية، لسنا بالضرورة متفقين معها تماما، لكن على الأقل نعتبرها نصوصا تتطلع نحو المستقبل ولا تعبر عن حالة نكوص نحو ماض متوهم أو رؤى نكوصية، ولكنها تحاول أن تساجل انطلاقا من وعي حقيقي بقيمة الاختلاف وأهميته لنا بعد قرن كامل من غلبة ثقافة الاستبداد على ثقافة الحرية وما أنتجه ذلك من فساد وخراب وتوحش في عالمنا العربي.

قاهرة الأدب

ولفت الجراح إلى أن تقديم مجلة “الجديد” في القاهرة يأتي في إطار كونها المكان الأمثل للإعلان عن انطلاق المجلة، وهي العاصمة العربية الوحيدة التي تم الإعلان فيها عن المجلة على نحو واسع، بعد لقاء مهم ولكنه أضيق حدودا في الدار البيضاء، مشددا على أن العرب عليهم أن يفكروا بطريقة أخرى بعد نهر الدم العربي الذي جرى من دمشق وحتى صنعاء، فلا بد من ترك المهاترات في حياتنا الثقافية، خاصة في المنابر الأدبية والثقافية، والتي تصنع الحركات الأدبية والشعرية، وفي المجلات، والتي ينتظر منها أن تساهم في خلق التصورات والإبداعات الحقيقية، التي تخرج من خضم التفاعل بين مختلف الجغرافيات الثقافية العربية.

وشدد الجراح على ضرورة تأسيس منابر ثقافية جديدة متعددة لتكون منصات لمختلف الإبداعات العربية، سواء في القاهرة أو دمشق أو بيروت وغيرها، فمن غير الممكن، كما يرى، لمجلة واحدة الإحاطة بكافة المستجدات والظواهر والإبداعات، ولن تدّعي مجلة “الجديد” في أيّ وقت أنها تستطيع لوحدها أن تقوم بهذا الدور ولكنها تسعى إلى استقطاب ما أمكنها من الكتّاب والأساليب الأدبية والشعرية المتنوعة.

فضاء جمالي

من جهته علق الناقد الأدبي يسري عبدالله على كلمة الجراح قائلًا “ما دعا له الشاعر نوري الجراح هو التحيز للجماليات ولا شيء غيرها، فضلا عن الوعي بحتمية تخليص النص الأدبي من حمولاته بحيث لا يتحول إلى مانفيستو سياسي، بعيدا عن الجمالي، فهو يتحدث عن المجلة باعتبارها تأتي في فضاء هذا التنوع الأدبي والثقافي الخلاق وهو أمر جيد”.

الكاتب أحمد الجمال تمنى ألا ينطفئ الحماس للمجلة بعد صدور أعداد محدودة منها، إذ يتوقف الكثير من المجلات الجادة مرات نظرا للسكتة المالية أو السياسية أو حتى الخلافية بين أفرادها
وتولى الكاتب أحمد الجمال دفة الحديث، وطرح إشكالية التجديد في حد ذاتها، قائلًا “كيف يكون هناك جديد دون مجددين، الاشتراكية فشلت لأن منفذيها غير اشتراكيين، والليبرالية عقمت لأن مدعيها لم يكونوا ليبراليين، ولأنهم شبه إقطاعيين، لهذا لم تعش لنا مشروعات ثقافية أو سياسية، إذن ما الجديد الذي ستكون له مراعاة؟”.

وتمنى الجمال ألا ينطفئ الحماس للمجلة بعد صدور أعداد محدودة منها، إذ يتوقف الكثير من المجلات الجادة مرات نظرا للسكتة المالية أو السياسية أو حتى الخلافية بين أفرادها، وعلى إثر ذلك يحبط المشروع، لافتا إلى أن التطوير السياسي يأتي على جدول التجديد العربي، وكيف يطوّر القوميون والليبراليون أنفسهم، فضلًا عن ضرورة ردم الفجوة بين ما هو ثقافي محض وما هو أكاديمي.

في السياق ذاته، تحدث الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي عن حاجة الأمة العربية إلى مجلة جامعة تؤدّي الرسالة التي كانت تؤديها مجلة “الرسالة” ومجلة “الآداب”، متمنيا أن تكون مجلة “الجديد” المنبر الذي يتسع لهموم المثقفين المختلفة وما يمكن أن يقدموه.

وتحدث حجازي عن الدور المنوط بالمثقف وما عليه القيام به في ظل الأزمات التي عصفت بالعالم العربي قائلًا “الآن نتحدث عن تجارب عنيفة وحافلة بكل ما يمكن أن يوفر لنا الخبرات ويعطينا الدروس، نتحدث الآن بعد أن قضينا على نظام تنكر تنكرا كاملا للديمقراطية منذ بداية الخمسينات إلى الآن، هذا النظام لم يكن مصريا فحسب وإنما كان نظاما عربيا، لأن ما حدث في مصر حدث في عدد كبير من الدول العربية، الانقلابات العسكرية المتتالية سيطرت على السلطة وحرمتنا من الديمقراطية، وأثرت تأثيرا سلبيا على الثقافة”.

نوري الجراح: الحديث عن مجلة "الجديد" من القاهرة يدعو للاعتزاز

ولفت حجازي إلى أن من التطورات المؤسفة التي خلفتها الدكتاتوريات السياسية إنشاء وزارات الثقافة، التي حولت الثقافة إلى دعاية حكومية عن طريق وضع يدها على المؤسسات الثقافية المختلفة، مشيرا إلى أن عدد المجلات الأدبية في تناقص مستمر مقارنة بعددها في أواخر الأربعينات، والتي وصلت حينئذ إلى ما يقرب من 20 مجلة أدبية وفكرية.

وانتقل حجازي للحديث عن الأواصر بين الثقافات العربية المتعددة، إذ أكد أن تعبير الثقافة العربية جائز، فالروابط التي تجمع بين الثقافات العربية موجودة، لكن لا أحد يستطيع أن يغفل الخصائص في كل ثقافة على حدة، لافتًا إلى أن الاهتمام بالثقافة الجامعة أفضى إلى إهمال التراث الشعبي والثقافات التي سبقت التعريب.

وعبّر حجازي عن أمنيته في أن تنجح مجلة “الجديد” في استغلال فرص الانتقال السياسي التي تمر بها البلدان العربية، في التفكير في المستقبل، وإقامته على أسس صحيحة ونقدية نخرج فيها من الأوهام التي غرقنا فيها عقودًا طويلة بفعل الاستبداد.

النقدي بدل الشاعري

فيما طرح الباحث السياسي نبيل عبدالفتاح تساؤلًا حول الجديد الذي ستطرحه المجلة على نطاق الموضوعات، مؤكدًا أن المدخل الثقافي في تحليل المشكلات السياسية والاجتماعية غلبت عليه الشاعرية في أغلب الأحيان، وليست الرؤية النقدية، ما يعني ضرورة أن تشتبك المقاربات الثقافية مع واقع عيني وعربي.

وأوضح عبدالفتاح أن العالم العربي لم يعد مقتصرا على مركز إنتاج الثقافة في مصر والشام، والنقلة النوعية للمجلات الثقافية ينبغي أن تكون بمناقشة واقع عيني محدد، مثل ما معنى أن تكون مثقفا في هذه المتغيرات الفاصلة، وتأثير الثورة الرقمية على اللغة والتفكير وتركيبة المثقفين الجدد في العالم العربي، فالمقاربات الثقافية ستكون مفيدة حتى المكونات الثقافية داخل النسق الأساس متنوعة ولها خصوصيتها ولها بعض المشتركات.

الاهتمام بالكتاب

في الإطار ذاته، شدد الكاتب والباحث وحيد عبدالمجيد على ضرورة أن تولي المجلة اهتمامًا خاصّا بمناقشة الجديد والمهم من الكتب، بعيدا عن المراجعات التقليدية والسطحية لأن مراجعة الكتاب تحتاج لمن يعرف خلفيات الحقل الذي يصدر فيه الكتاب ومن لديه معرفة بتراث الكاتب وأعماله.

في حين طرح الروائي يوسف القعيد أسئلته المتعلقة بمشروع المجلة هل هو فكري أم ثقافي وكيف ستواجه المنافسة الشرسة من قبل المطبوعات الثقافية المختلفة التي تصدر في مختلف الدول العربية، وتحمل مضامين وأفكار عدة؟

حاشدة وحميمة

المثقفون المصريون يناقشون أهم القضايا الثقافية العربية على هامش الاحتفال بصدور مجلة "الجديد"

الندوة حفلت بالأفكار والملاحظات من جميع المتكلمين مما لا يمكن لتقرير أن يحيط به كاملا، لكن هذه كانت بعض الملامح مما طرحه المتدخلون في ندوة استمرت لأكثر من ساعتين وشهدت حضورا مكثفا من الكتاب والمثقفين المصريين والعرب.

وفي النهاية اختتم الشاعر نوري الجراح النقاش بإشارات إلى إن ما طرحه الأساتذة الشعراء والأدباء المتكلمون من ملاحظات وأفكار وقضايا شديد الأهمية، وأن الإحاطة به تحتاج إلى منابر لا إلى منبر واحد، لافتًا إلى أن مشروع المجلة هو فكري وأدبي شامل، وأنها تعنى أساسا بالنص العربي وليس فيها ترجمات لأن المكتوب بالعربية في ثقافتنا من أدب وفكر يحتاج إلى صفحات كثيرة. الجديد تأخذ على عاتقها هذه المهمة؛ الاعتناء بالنص العربي الجديد وبالتفكير العربي.

ولفت الجراح إلى أن المجلة في أعدادها الأولى تمكنت من استقطاب نخبة من ألمع الكتاب العرب من مغرب العالم العربي ومشرقه، وكذلك كتابا منفيين ومهاجرين في أوروبا والغرب، وهي بالتالي تقدم نفسها بوصفها بؤرة حيوية تستقطب القارئ إلى جملة من الموضوعات والملفات والأفكار الإشكالية، فضلا عن أنها تقدم النصوص الأدبية لمخلتف الأجيال في تجاور حر.

إن الراسخ والطالع يتجاوران على أرض القيمة العالية للفكر والأدب، من دون أي تراتبية. ولكن هي مجلة جامعة وليست المجلة الجامعة. وهي مفتوحة على التيارات الأدبية والفكرية المختلفة ولكن المتطلعة نحو المستقبل كما أشار، سيكون متاحا في “الجديد” نشر النصوص المعبرة عن الآراء والأفكار والتيارات المتعددة، ولمن تساءل عن التمويل أجاب بأنها ممولة من قبل “مؤسسة العرب” في لندن، ومن هذه الندوة دعا كل حملة الأقلام العرب من كل التيارات التي تؤمن بالمستقبل إلى التعبير عن أفكارهم ونشر إبداعاتهم على صفحات هذا المنبر، قائلًا: “نحن لسنا إقصائيين لأن الإقصائية ستدمر مجتمعاتنا لا محالة لو هيمنت على العقول والمشروعات، فأنت لا تستطيع إقصاء جزء منك أيًا كان دون أن تتضرر، نحن أبناء ثقافة واحدة ذات ملامح متعددة ومتنوعة ومن الطبيعي أن تعبر هذه المجلة الجديدة، بعد الخضات الكبرى التي أصابت مجتمعاتنا، وبعد الهزة العنيفة التي رجت شجرة الثقافة العربية، عن هذا التنوع بكل ما يتيحه من اختلاف وثراء”.

15