مثلث السعودية والهند وباكستان: البعد الاقتصادي ضلع في علاقة إستراتيجية أشمل

التوترات في العلاقات الباكستانية الهندية لا تلغي مساعي للتقارب الاستراتيجي بين البلدين تقودها السعودية.
الخميس 2019/02/21
زيارة تؤسس لعلاقات قوية وراسخة

نيودلهي - لا يقتصر التغيير الذي يشهده العالم على مستوى إعادة تكتل القوى وتوازن النظام العالمي ككل، على القوى التقليدية الولايات المتحدة وأوروبا، وصعود روسيا وتقدّم الصين وانتقالها من قيود ماو تسي تونغ إلى انفتاح شي جين بينغ، بل يشمل أيضا محاولات دول أخرى، تتحوّل بهدوء إلى قوى مؤثرة على أصعدة كثيرة، من هذه الدول الهند، التي تطلّ كقوة إقليمية ناشئة تستعد لتكون لاعبا عالميا أساسيا، وهي لهذا تحتاج إلى تطوير علاقتها وتوسيع نطاق توجهها، وحتى لمراجعة سياساتها وملفاتها القديمة من ذلك مشاكلها التاريخية والمعقّدة مع باكستان.

تطمح الهند، العضو في مجموعة بريكس، إلى لعب دور عالمي من التجارة إلى الأمن، ومن عالم الاتصال إلى الحوكمة العالمية، ويرى قياديوها أنها تملك ما يكفي من الفرص التي يمكن استغلالها، وأنّ عليها أن تستفيد من الحقائق العالمية المتغيّرة والأولويات المتحوّلة، وما تأتي به من فرص جديدة، إن لم تستغلها نيودلهي فسيقوم بذلك منافسون آخرون، من بينهم باكستان.

وفي باكستان، الجارة والغريم التاريخي، قد لا يكون الوضع الأمني مستقرّا مثل الهند، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية هذا البلد بالنسبة لقوى دولية كالولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.

ولطالما كان هذا التحالف مصدر حصانة لباكستان. وبينما يشير جان اشاكزاي، محلل السياسات الإستراتيجية، إلى أن الهند بذلت قصارى جهدها لضمان تعاون سعودي ضد باكستان، من أجل عزل إسلام آباد، يرى محمد أيوب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان، أنه “في سياق هذه العلاقة الإستراتيجية والاقتصادية بين الرياض وإسلام آباد لا يجب أن تتوقع الهند أنها ستكون قادرة على إبعاد السعودية عن باكستان”، بل ينبغي على الهند أن تستغل علاقاتها الاقتصادية مع السعودية، لتكوين المثلث السعودي-الباكستاني-الهندي، الذي سيكون مفيدا للجميع.

محمد أيوب: الهند لن تكون قادرة على إبعاد السعودية عن باكستان
محمد أيوب: الهند لن تكون قادرة على إبعاد السعودية عن باكستان

ويشكّل البعد الاقتصادي ضلعا في علاقة إستراتيجية أشمل. ويرى صنّاع السياسة في نيودلهي أن هذه العلاقة، وإن لن تؤثر في مسار الصراع حول كشمير بين الهند وباكستان، فإنها يمكن أن تعدّل من ميل الرياض الكامل نحو إسلام آباد، في حين تشكّل العلاقة مع الهند، إلى جانب تقوية التحالف التقليدي مع باكستان، جزءا من إستراتيجية سعودية شاملة تبدأ بالأمن ولا تنتهي عند خطوات الإصلاح والقطع مع فترة “الصحوة”، حيث تربط مختلف المراجع بين التشدّد في هذه المنطقة الآسيوية، وبين المدارس التي أنشأتها السعودية منذ ثمانينات القرن الماضي.

وتأتي زيارة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى الهند، قادما من باكستان، في سياق رسم هذا المثلث الإستراتيجي، وهي خطوة جاءت بعد تلمّس خيوط تقارب بين باكستان والهند، وإن يسوده من وقت لآخر، توتر على غرار ما يحدث مؤخرا في أعقاب تفجير انتحاري في إقليم كشمير المتنازع عليه سقط فيه 40 قتيلا من قوات الأمن الهندية، في عملية أعلنت جماعة جيش محمد التي تتمركز في باكستان المسؤولية عنها. وقد تعهّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي برد قويّ على الهجوم وقال إنه أطلق يد الجيش. أما رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان فحذّر من أنّ إسلام آباد سترد إذا تعرّضت للهجوم.

لكن، يرى المتابعون للعلاقات الباكستانية الهندية، أن هذه التوترات لا تلغي مساعي ثانية للتقارب الإستراتيجي، والتي يرسخها ما بات يعرف بمدأ “باجوه” نسبة إلى رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوه. السنة الماضية، سجل باجوه أول سابقة في تاريخ العلاقة الهندية الباكستانية حين وجّه دعوة إلى الملحق العسكري الهندي سنجاي فيشواسراو وفريقه لحضور الاستعراض العسكري بمناسبة يوم باكستان في إسلام آباد. وأعقب هذه الدعوة، تصريح جاويد بأن الجيش الباكستاني يريد السلام والحوار مع الهند.

لقد أصبحت مبادرات القرب التي يقوم بها الجنرالات الباكستانيون مرحبا بها من قبل البعض في الهند لأنه ينظر إليهم بأنهم قادرون على تحقيق نتائج تخص السلام. وترأس ضابط باكستاني آخر كبير اسمه الفريق عمير رياض أول مجموعة اتصال رفيعة المستوى مع الهند، بوصفه المدير العام للعملية العسكرية.

حسب رياض ترى باكستان مشروع الممرّ الاقتصادي الصيني – الباكستاني على أنه مشروع رئيس لمستقبلها الاقتصادي وعبّر عن موقفه المرحب بمشاركة الهند في هذا المشروع الذي يعدّ أكبر مجهود بنية تحتية في باكستان. لكنه قال إن الهند يمكنها “تقاسم ثمار التطور المستقبلي عن طريق تعليق الأنشطة المعادية لباكستان والتخريب”.

وأعلن باجوه بنفسه بأن “الجيش الباكستاني يشعر بالثقة في مستقبله وهو يرحب بمشاركة الهند في مشروع البنية التحتية الرئيس في باكستان الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

وبتحسن الأمن والاستقرار على الحدود الغربية يفهم الجيش بأن الحديث مع الهند سيساعد في المسار الاقتصادي الصاعد للبلاد، ويسمح بازدهار التجارة الإقليمية. بيد أن الهند مترددة بخصوص العرض الباكستاني المتمثل في حوار تجارة عبور حول التجارة الأفغانية الهندية. لكن باستمرار تقارب المسؤولين لن تكون غير مسألة وقت قبل أن توافق نيودلهي على الحوار على الأقل مع إسلام آباد، في خطوة لا يستغرب الخبراء أن تلعب فيها الرياض دورا، لتكسب بذلك قوة إقليمية تتكون من أكبر دولتين آسيويتين.

ويتجاوز المكسب، ما ركزت عليه وسائل الإعلام بخصوص تحجيم إيران، لتكون نتائجه بعيدة المدى، ويشمل أيضا قطع الطرق أمام تركيا، التي تسعى إلى استمالة مسلمي الهند، الذين يمثلون رابع أكبر مجتمع إسلامي في العالم بعد إندونيسيا ودول جنوب آسيا.

ويشير تقرير لمركز بيغن -السادات إلى أن اهتمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالمسلمين الهنود يظهر امتلاكه لهدف أكبر. يعتبر المسلمون الهنود مجتمعا كبيرا لا يمكن تجاهله في محاولة تركيا منافسة السعودية على قيادة العالم الإسلامي.

6