مثلث الفزع الأوروبي

الاثنين 2014/11/03

إنه الفزع، بكل أنواعه ودرجاته، الذي يسيطر الآن على الجميع في أوروبا. فإلى جانب حالة القرف والتقزز من الرؤوس المقطوعة، والجثث المسحولة، التي تتوافد صورها من داخل الخلافة الإسلامية، وإلى جانب الخوف من الإرهاب، وعودة المقاتلين من سوريا والعراق، ووصول الجهاديين إلى أبواب أوروبا، يسيطر الآن على الجميع فزع من نوع جديد، وباء إيبولا. وإذا كان الجهاديون معروفين، ودوافعهم واضحة، فإن الوباء لا يزال مجهولا، يحيط به الغموض، وتلفّه الشائعات!

الغموض والشائعات التي تحيط بالوباء، أفرزت ردود أفعال غريبة ومضحكة، في كل من أميركا، المذعورة على الدوام، وأنكلترا، وهولندا. في “ميسوري” منع مئات الآباء أطفالهم من الالتحاق بالمدرسة لأن مدير المدرسة كان في إجازة بزامبيا. زامبيا التي تقع على بعد آلاف الكيلومترات في غرب إفريقيا، لكن من أين لمدير مدرسة أن يعرف هذه المعلومة؟!

وفي “بي بي سي” البريطانية، تردّد واضعو “الميك آب” في لمس وجه أحد ضيوف الاستوديو، وهو من أصل غيني، خشية أن يكون مصابا بالمرض فتنتقل العدوى إليهم.

المشكل أن التحفز وانعدام الثقة في ازدياد، رغم كل المجهودات والاحتياطات التي اتخذتها الحكومات ضد مثلث الفزع هذا، فالجهاديون العائدون اتخذت بشأنهم كل الاحتياطات اللازمة للحماية من خطرهم، واستنفرت أجهزة الاستخبارات أموالها، وهياكلها، وموظفيها، من أجل مراقبة تصرفاتهم، واستقراء سلوكياتهم.

ولأول مرة في هولندا تتم محاكمة أشخاص على نواياهم، إذ حبست محكمة في مدينة روتردام أشخاصا كانوا يعتزمون السفر إلى سوريا للالتحاق بداعش قصد الجهاد. وتتكثف جهود مؤسسات ومراكز بحوث وجامعات، ووسائل إعلام، وأجهزة حكومية، من أجل تطويق الخوف المحيط بها، ومحو صور الرقاب المقطوعة، وفيديوهات الرجم والذبح.

ثم جاء إيبولا، الذي يمسّ مباشرة صحة الناس. وعندما يتعلق الأمر بصحة الإنسان، التي أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية حقا في أوروبا وأولوية أمنية، فإن الأمر يخرج من اليد، وتنتشر الشائعات بسرعة في زمن الإلكترونيات، وتجد حوارا من آلاف التعليقات على جملة تقول: “قرأت في مكان ما، لم أعد أذكره، أن المرض ينتقل في الهواء دون لمس”، وتصبح الحكومات عاجزة عن تحديد الموقف الذي عليها أن تتخذه، فإذا أسرفت في التحذير ساهمت في مزيد نشر حالة الرعب والتحفز، وإذا توخت الحذر وتكتمت، ثم سقطت ضحية في مكان ما، اتهمت بالتقصير. إنها حالة من الفزع الجماعي، تصل إلى الحكومات والمنشآت، في زمن التوترات الكونية، وانتشار الإنترنت، تنتقل عدواها بسرعة تفوق أيّ خطر آخر.


كاتبة من تونس

15