مثلث كاربمان

الشعب هو الضحية التي يَعدُ الزعيمُ المنقذُ بتخليصه من سطوة مضطهِد قد يتخذ وجه الأجانب أو المثقفين العَلمانيين أو الطبقة المهيمنة أو الرأسماليين أو المنظومة القائمة أو الميديا أو كلها مجتمعة.
الخميس 2018/09/13
قوة مثلث كاربمان تكمن في تغيره الدائم، لا يقر له قرار

عندما نشاهد خطب الساسة، بحكامهم ومعارضيهم، لا نملك إلا أن نستحضر مثلث كاربمان، وهو مثلث تقوم على رأسه الضحية (يسلَّط عليها، فتشتكي وتستدر العطف)، ويشغل زاويته اليمنى المضطهِد (يسخر وينتقد وينتقص)، فيما تشغل اليسرى المنقذ (لا يمكن أن يمنع نفسه من تقديم العون، ويتدخل حتى وإن لم يطلب منه ذلك)، ولكن الرؤوس الثلاثة قابلة إلى تغيير مواقعها بحسب الظروف، فينقلب المنقذ إلى مضطهِد، والمضطهِد إلى ضحية، وتتحول الضحية إلى هذا أو ذاك. وهو ما نكاد نراه يوميا في المشهد السياسي العربي بخاصة.

الطريف أن ستيفن كاربمان، عالم النفس الذي اهتدى إلى مصطلح المثلث الدرامي، استند في الواقع إلى ملاحظة أدوار الشخصيات في الخرافات الشعبية، مثل سندريلاّ وذات القبعة الحمراء. في كتاب بعنوان “المثلث الدرامي” (1968)، حلل الكيفية التي يعاد بها أداء أدوار أبطال تلك الخرافات في الوسط العائلي، وبيّن ما لا نريد أن نراه لكوننا تعودنا على التفكير بأن الوعي كفيل بتخليصنا من عاداتنا السيئة، وهو أن ثمة قوة مضمرة تصل أطوارنا الدرامية بالنمط السردي.

ويتساءل كيف يمكن الخروج من ذلك المثلث الدرامي إذا كان هو الأكثر شيوعا، سواء في المجال العاطفي، الذي يتغذى منه الأدب والصناعة السينمائية، حيث البطل ينقذ حبيبته من ماضيها، أو من مختطفيها، أو من وقوعها في عالم الرذيلة؛ أو في المجال الحربي إذ يسعى الجندي لإنقاذ بلاده من العدو؛ وخصوصا في المجال السياسي، فكلما كان الخطاب مغاليا، تراجعت الديمقراطية، وغدا المثلث في أوج دراميته. فالزعيم السياسي غالبا ما يقدم نفسه بوصفه منقذا للشعب والبلاد، والشعب هو الضحية التي يَعدُ الزعيمُ المنقذُ بتخليصه من سطوة مضطهِد قد يتخذ وجه الأجانب أو المثقفين العَلمانيين أو الطبقة المهيمنة أو الرأسماليين أو المنظومة القائمة أو الميديا أو كلها مجتمعة.

ذلك أن قوة المثلث تكمن في تغيره الدائم، لا يقر له قرار، لأنه يفكر باستمرار في الحركة الموالية، كحركة القائد المنقذ الذي يتقمص أحيانا دور الضحية للتنديد بالميديا والـ”فيك نيوز”، أو القائد الضحية الذي يعود من منفاه لينكل بالشعب، في وقت يتصاعد فيه التوتر بين الضحايا الحق والمضطهِدين الحق…

في رواية “كاساندرا” التي صدرت قبيل سقوط جدار برلين، كانت الألمانية كريستا فولف (1929-2011)، قد دعت إلى ضرورة تغيير نمط السرد لتجنب تلك الحرب الأزلية القائمة بين رؤوس ذلك المثلث الرهيب، أي الخروج من دراما المضطهِد والضحية والمنقذ، فذلك في رأيها هو السبيل الوحيد لتحقيق الديمقراطية.

15