"مثل إيكاروس" رواية البحث عن الحقائق الغائبة

لا شك أن العوالم الخفية عن الإنسان، تبدو مثيرة لأي كاتب في طرقها للسير في دروب السرد والأدب عموما، تلك الغرائبية التي يمكن نثرها في جنبات عالم واقعي، هي الخلطة السرية التي اشتغل عليها الكاتب المصري أحمد خالد توفيق في روايته "مثل إيكاروس"، التي تتحدث عن حكايات متنوعة في رواية واحدة.
السبت 2016/12/03
مزج بين الأسطورة والواقع في صورة المستقبل

هي ليست قصة بوليسية تكتمل فيها الأركانُ بقاتلٍ وضحية وأداة قتل، إنها رحلة البحث عن الحقيقة في نصٍّ مفتوح الاحتمالات على الأسئلة اللامُنتهية من الإجابات الساذجة، هكذا أراد الكاتب المصري أحمد خالد توفيق، روايته “مثل إيكاروس” الفائزة بجائزة أفضل عمل روائي عربي لهذا العام خلال فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب في الإمارات العربية المتحدة.

الاقتراب من الحقيقة

قبل الولوج في هذه الرواية، الصادرة عن دار الشروق، لا بدّ من فهم حيثيات العنوان الميثيولوجي الذي يشير بوضوح إلى ارتكازات غير مرئية لقصة حاكَها الإنسان في لحظة ضعف عن إيكاروس الذي نبت له جناحان من الشمع في جزيرة كريت اليونانية ليفرَّ مع أبيه من سجن الآلهة؛ إيكاروس ذاتُه التوَّاق إلى الحرية، وصل إلى منتهى الخطوات حين ابتعد أكثر في سقف التوقّعات من الفضاء بعد أن اقترب أكثر من قرص الشمس الذي أذاب جناحيه، فهوى صريعا على الأرض.

هذا العنوان الذي كان آخر كلمات الرواية، وصل إليه الكاتبُ بالكثير من الحذر بعد أن خاض في قصة محمود السمنودي، للمفارقة هنا أن محمود ليس بطل الحكاية، بل هو فضاؤها المحكي لراو، يعمل كطبيب نفسي ويجلس قبالة محقق من الأمن المصري، ليسرد كل التفاصيل التي لا يعلمها أحد عن ذلك الرجل.

الكاتب اختار زمانا لم يأت بعد، فكان عام 2020 مسرح الأحداث غير المرئي، بينما تنوعت الجغرافيا بين مصر والولايات المتحدة الأميركية؛ القاهرة التي تظهر دون معالم عبر فضاءات مكانية محددة سواء في بيت السمنودي أو المصحة النفسية أو البيت الذي يشهد الخلاص، في هذه المسارات تتعدد الحكايات عبر حلقات مُغلَقة على نفسها بعناية شديدة، وتدور فيها الكتلة النصية لمن شهد الحكاية المتخيّلة، هنا تبرز ثنائية البساطة والتعقيد التي يشتغل عليها الكاتب في مستوى السرد الداخلي للنص، فمحمود السمنودي المنتمي إلى الطبقة المتوسطة، ينشأ حاملا سلوكا غريبا في بيئة غرائبية ويحاول أن يتمرد عليها، فيجد نفسه في مواجهة عالم المعرفة الشاسع، يدرس الحقوق ولا يشتغل بالمحاماة، يعيش أيام الزواج الفاشل دون أي مواجهات مع الشريكة سلوى عمران التي نكتشف في متن الرواية أنها تتورّط أيضا في علاقة غير واضحة المعالم مع الطبيب النفسي راوي الحكاية.

محمود السمنودي بعد خطواته الأولى في العالم غير المرئي، يصل إلى سجلات أكاشا، وأكاشا كما تُعرِّفها الرواية هي “لفظة سنسكريتية معناها: السماء، الأثير، السجلات الأكاشية هي نظام كوني لتوثيق الحقائق، الأفكار، الكلمات، الوعي الجمعي للكون كله، العقل الباطن للوجود حيث لا شيء يمكن نسيانه، وفي هذه السجلات -يزعم محمود- تمكن رؤية أشياء كثيرة جدا”، إذن هنا محمود ليس خارقا بالفطرة بل هو يحاول الاقتراب مثل إيكاروس الأسطورة تماما من الحقيقة الكليَّة، التي يؤكد الكاتب مرارا على أنَّ العالم غير مهيَّأ لها بالمطلق، فعلماء النفس تحدّثوا عن الوعي الجمعي للإنسان، والمؤلف يتناول الوعي الجمعي للكون نفسه؛ الأرشيف الكامل للحياة والبشر، ذلك الذي يتمدّد طيلة الوقت مع خبرات البشرية.

السجلات الأكاشية هي نظام كوني لتوثيق الحقائق، الأفكار، الكلمات والوعي الجمعي للكون، هي العقل الباطن للوجود

لغة الرموز

الكاتب لا يتحدث عن عرّاف، إنه يتناول حالة شخص يكتشف شيئا ما فعرف جوهر كل الأشياء مصادفة، يصف ذاته بأنه لا يرى ما وراء الجدران، بل رؤيته تقوم على قدرته على النظر أبعد من البشر، هذه الاكتشافات التي يمررها عبر رموز يفهمها طبيبه النفسي في المصحة بعد محاولات عديدة، فالسمنودي يعتمد على أرقام منثورة لا رابط فيها، لكنها إحالاتٌ إلى كُتُبٍ وصفحات وكلمات في السطور، تلك العبارات المجتمعة هي التي تُخبِر بوقوع فيضان في بنغلاديش وثورة في أوكرانيا وحادث انحراف قطار في دمنهور المصرية، لتبدأ الحكاية بالدخول إلى الدهاليز السرية عند اتّساع الدوائر السردية لتشمل أجهزة المخابرات سواء في مصر أو أميركا.

حكايات متنوعة

نظرا إلى عالمية الحكاية كان على الكاتب أن يلجأ إلى فضاءات بعيدة، فخلَق حكايات موازية لمسار السمنودي، فكانت قصة البروفيسور الأميركي بارتريدج المؤمن بنظرية التطور الداروينية، وحكاية مصطفى أبوالحسن الصيدلي الخمسيني الذي بدأ حياته عضوا مخلصا في جماعة الإخوان المسلمين ثم ما لبث أن اكتشف زيف حرَّاس المعبد فابتعد عنهم، وقصة ريتشارد دواير كاتب الخيال العلمي الذي صار يشتغل في البنتاغون بهدف تأليف القصص غير قابلة التصديق، لتكون سيناريوهات المرحلة المقبلة من الدولة والتاريخ معا.

هذه الحكايات المتنوعة كانت رديفا للحكاية الأصلية، فامتدادها العمودي على مستوى السرد الأفقي للنص، لم يجعل بينها أي تشابكات تؤثر على الحدث الروائي في الفضاء المصري، لهذا اختار الكاتب أن يتجه نحو القارة الأميركية، اختيار المكان الجغرافي لم يكن اعتباطا، فشمال كاليفورنيا حيث يقع جبل شاستا المقدّس، الذي كانت تعتبره قبائل الكلاماث الهندية موطن روح العالم العلوي التي تصارعت مع روح العالم السفلي القادمة من جبل مازما إلى سفوح جبل شاستا، حيث دارت رحى المعركة في الميثيولوجيا، هناك وجد السمنودي الذي تعرَّض بعد افتضاح أمره في مصر للاعتقال والتعذيب كي يتحدث بما يعرفه عن المستقبل، هنا يحاول الكاتب أن يقدِّم صورة للدولة التي تستعدي شعبها أو عارفيها بحماقة النيّات الطيبة سعيا إلى حفظ الأمن، ليتظاهر السمنودي بالموت فتمَّ دفنه في الصحراء، ولينهض بعد ذلك واجدا مخرجا بمساعدة مصطفى أبوالحسن الذي أمَّن له اتصالا مع السفارة الأميركية، التي بدورها نسَّقَت مع البنتاغون لتسهيل إجراءات دخوله إلى البلاد.

شخصية تكتشف مصادفة طريق الخلاص

على سفوح جبل ساشا في شمالي كاليفورنيا، يجد السمنودي حياة أخرى مليئة بالطلاسم فيستعرض الراوي حكايات عديدة لا تلبث أن تظهر وتختفي، وما يمكن التوقف عنده هنا هو العلاقة بين المخابرات الأميركية والسمنودي، فتلك الأجهزة أخضعت الرجل العراف للكثير من الإجراءات والتحقيقات والأجهزة كي يقول كل ما يعرف حتى وصل به الحال إلى قطع لسانِه لكن ذلك لم يمنع المحققين من استنطاقه حول سيطرة الصين على العالم، أمن إسرائيل، تفتُّت الدول العربية، القنبلة النووية، مستقبل أسواق المال، شكل الطاقة بعد 100 عام، ومستقبل اللغة الإنكليزية.

في ظل هذا يمرر السمنودي عبارات يمكن اقتناصها من النص على شاكلة، “إن الحقيقة مؤلمة جدا لكنها ثمينة وتستحق أن نموت من أجلها، لكن ليس من حقه أن ينقلها إلى آخرين في عالمنا”. يعود إلى مصر وفي فضاء معزول على أطراف القاهرة يلتقي الطبيب النفسي مع السمنودي الذي تغيَّر شكله كثيرا، وتمتد اللقاءات لأسابيع قبل أن يُخبِر السمنودي الطبيبَ عن شكل الموت الذي سيتعرض له، حيث سيجوع وتأكله الحشرات ولن يجد من ينقذه، ولأن الإنسان عدو نهايات الأشياء غالبا، فقد اتخذ الطبيب قرارا بقتل السمنودي إكراما لفكرة الخلاص، هي ذات الفكرة التي أدار السمنودي ظهره للطبيب كي ينفِّذها، فكلاهما يريد الخلاص.

رواية “مثل إيكاروس” هي حكاية في قلب حكايات عديدة، رواية تتضمن روايات عديدة، جاءت بقالب سردي اعتمد على تنوُّع اللغة وفتنتها، وعلى ارتكازات تاريخية لفهم المستقبل، وبحث مضني عن الحقائق الغائبة.

17