مثل غصن وحيد

السبت 2016/12/31

لا يهم إن كانت نهاية العام في ديسمبر أو أكتوبر أو يوليو، فكل يوم جديد يسقط عن تقويم حياتنا القصيرة هو نهاية عام على يوم كان يشبهه قبل إثني عشر شهرا!

تبدو هذه الفكرة معقدة تماما لكنها ليست أكثر تعقيدا من الأحداث التي جثمت فوق نهايات الأيام والشهور من تقويم 2016 . انتهت الشهور والأيام الأخيرة من هذا العام بتنهيدة احتضار طويلة؛ قائمة طويلة من الخسارات، موت أحبة، رحيل أوطان، مواليد جدد على دروب النزوج والهجرة والفاقة وعتبات لأحزان وانكسارات جديدة، ومازلنا نعاند شبح ابتسامة يحاول منذ أيام أن يتخطى صمتنا ويتسلق مثل غصن وحيد على الجدار الأخير من العام الذي بدا مستعجلا وهو يجمع حاجياته ويقفل أبوابه ليستعد للرحيل، مثل مهرج أحمق أنهى عرضه البائس ولم يحصد تصفيق الجمهور، مهرج سيحمل مع خيامه الكثير من أحلام يابسة لم تستطع الصمود أمام عواصف صيف فاتر ورياح شتاء غاضب.

ما هو المطلوب؟ هل يتوجب علينا أن نكون أكثر تفاؤلا؟ هل نزرع الأمل في أرض مالحة؟ نصرخ أم نصمت.. وماذا سيغير كل هذا من ملامح واقع فرض وسيفرض علينا ولا حيلة لنا في تغييره؟

أتسمر كل عام أمام شاشات التلفزيون لأتابع العرض المدهش للألعاب النارية ومهرجان الجنون في الشوارع الرئيسة لعواصم العالم المتحضّر أو المحتضر، فينتابني شعور غريب؛ شعور كائن وحيد يسكن كوكبا بعيدا ولا يمتلك من الملامح سوى عينين كبيرتين، يمكنهما أن ترصدا عن بعد ما يحدث في الليلة الأخيرة حيث يجمع العام القديم حقائبه ويولي هاربا إلى لا مكان، فيأتي العام الجديد ليتربع على عرش سماء تضج بألوان قوس قزح بينما يلقي بنظرة ترفع وصلف إلى حشود جمهور الأرض وهي تصفق وتطبل وترقص ضجرا لقدومه، فتزرع صرخات فرح غامض وتبني أبراج رمال من سعادة غير منظورة كأنها آلهة غريبة، تسمع الدعاء ولا تستجيب له.

يذهب عام ويأتي عام وهذا الكائن الوحيد مازال يسكن خارج منظور الزمان والمكان، لا ينتمي إلا إلى الحيز الصغير الذي يقبع داخل رأسي، يمدّ ذراعيه أملا في الإمساك ببعض خيوط باهتة من هذه الألوان فلا يحظى بشيء، عالم بلا ألوان ولا ألعاب نارية، بلا أمنيات أو صرخات فرح غامض، عالم لا يعبأ برحيل الأيام أو بتسارع الشهور أو بتبديل التواريخ والأرقام.

تشابهت علينا الأعوام ولم تعد التقاويم الجديدة تتسع للمزيد من الأمنيات التي تراكمت عبر السنين، فلا فرح ولا حزن، لا أمل ولا يأس، لا انتظار ولا رحيل، كل الأشياء ساكنة وكل الأيام فاترة وكل الانتظارات لا تعد بشيء.

كل عام وأنتم أقل حزنا.. كل عام وأنتم ونحن مازلنا قادرين على أن نكابر ونقف مجددا على دروب جديدة، ننتظر بصمت وبلا مبالاة، نبحث في جيوب معاطفنا القديمة عن مفاتيح أمل مفقود.. عن فرح عله يأتي ويفتح لنا الباب.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21