مثل وحكاية

الأمثال الشعبية قد تضحكنا أو تبرز لنا كحكم لكنها في عمقها تتضمن الكثير من المفارقات والتفاصيل التي نستسيغ بعضها أو ننكره.
السبت 2018/03/24
العلم للجميع

في أيام الصبا، كنت أستمع إلى من هم أكبر مني سنا، في بيتنا وفي الحي الذي نقيم فيه، يرددون مثلا شائعا، كلما سمعته، تخيلت الحال الذي يرسمه ذلك المثل، فأضحك على ما أتخيل، ومازلت حتى الآن، وكلما تذكرت ذلك المثل أو استمعت إليه، أضحك، رغم أنني أدركت في ما بعد ما يتضمنه المثل الذي نحن بصدده من مفارقة، ربما جاءت بالغضب أو الشجن.

 أما المثل فهو “أطرش الكلاب” والمقصود “مثل أطرش الكلاب” ويلفظ حرف الكاف في الكثير من مناطق العراق بالجيم المثلثة، كما تلفظ مفردة الجلبي مثلاً، أو جبير بدلاً عن كبير، وطالما ألحق هذا المثل بالقول: إذا نبحت الكلاب تثاءب، وإذا تثاءبت الكلاب نبح.

ولو كان الأمر يتعلق بالوهم فقط، لهان ذلك الأمر، فهو ليس إنسانا أولا، وهو أطرش ثانيا، وفي هذه الحالة لا تحق معاتبته أو انتقاصه، ولكن ما يؤاخذ عليه، وهو حيوان ذكي ومحترم، كونه ينبح أو يتثاءب لأن غيره من الكلاب نبحت أو تثاءبت، ولا بد أنها نبحت لسبب وتثاءبت لسبب، أما كلب مثلنا هذا فقد نبح أو تثاءب من دون سبب، بل لأن الكلاب نبحت أو تثاءبت.

إن ما ذهبت إليه، وأنا أتذكر هذا المثل، يعيدني إلى زمن بعيد جدا، إلى ما يقرب من خمسة عشر قرنا مضت، إلى الشاعر العربي دريد بن الصمة، وقد عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام وقد تجاوز عمره مئة عام، غير أنه لم يُسلم، بل قاتل المسلمين في غزوة حنين، وهو في هذا العمر، وتقول رواية إنه قتل فيها، وكان مقتله في مشهد درامي عزَّ مثيله.

وما أعادني إليه قوله:

وما أنا إلا من غزية إن غوت/ غويتُ وإن ترشدْ غزية أرشدِ

فالرجل، ورغم ما كان يتمتع به من منزلة بين قومه، غير أنه تنازل عنها ولم يفرق بين الرشد والغواية، وأعلنها من دون تردد بأنه مع غزية في غوايتها أو في رشدها، مع أنه كان يستطيع أن يأمر مشيرا إلى ما يراه صالحا، بدليل قوله:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى/ فلم يستجيبوا النصح إلاّ ضحى الغد

ومع هذا بإمكاننا أن نجد له عذرا، فذلك أمر قائم في زمنه وفي مجتمعه، ولكن أي عذر سنجد لمن يتصرف الآن وفي ظل جميع المتغيرات التي شهدها العالم، كما تصرف دريد بن الصمة، بل من يتجاوزه في التخلي عن وعيه الفردي، مستسلما لمقولات الجماعة، مهما كانت بعيدة عن العقل والمنطق.

لقد استمعت منذ أيام إلى حكاية من أكاديمي عراقي، حيث قال “كنت عضوا في لجنة مناقشة رسالة ماجستير في إحدى الجامعات العراقية، وخلال المناقشة كان أحد الزملاء من أعضاء لجنة المناقشة، يتصرف باستخفاف وشراسة وعدوانية مع الطالب الباحث، وحين انتهت المناقشة، سألت ذلك الأستاذ عن سبب موقفه، فأجابني ببرود وصلافة: إن الطالب من الطائفة كذا”.

وأظن، وما أنا مبالغا في ظني، لو كان دريد بن الصمة في مكان هذا الأكاديمي لما اقترف هذه الخطيئة، وبالتالي من حقنا أن نتساءل، إذا كان وعي هذا الأكاديمي في هذه الدرجة من الانحطاط، فماذا أفاد من دراسته ومن أكاديميته، وماذا يمكن أن يلقن طلابه، وماذا يتعلمون منه غير الجهل والضغينة؟

وهل بإمكاننا أن نتوقع من أمثال هذا المتعصب خيرا، ليس للعلم والتعليم أو للوطن وأبنائه فحسب، وإنما من الجهالة أن نتوقع منه ومن أمثاله خيرا، حتى للجماعة التي ينتمون إليها ويتحدثون من خلالها، ولن يكون دورهم في الحياة يختلف عن دور ذلك الكلب الذي يتثاءب إذا نبحت الكلاب، وينبح إذا تثاءبت، مع أن للكلب الأطرش ما يبرر سلوكه، فكيف يمكن تبرير سلوك هذا الأكاديمي المنحرف المتعصب؟

14