مجابهة داعش: منطق "الصحوات" في خدمة إيران

الجمعة 2014/09/12

منذ أن بث تنظيم الدولة الإسلامية فيديو ذبح الصحفي الأميركي جيمس فولي، اكتشف العالم الغربي خطر داعش على أمنه. ولأن عمليات القتل الوحشي طالت هذه المرة مواطنا أميركيا، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها استشعروا تهديدا حقيقيا للأمن العالمي وعجالته، لاسيما في أوروبا. توالت تصريحات دايفيد كاميرون في لندن، وفرانسوا هولاند في باريس، وأنجيلا ميركيل في برلين، لينضموا إلى جوقة تكبرُ مع باراك أوباما في واشنطن، وتتعملقُ مع اجتماع الحلف الأطلسي في ويلز في بريطانيا.

يطلقُ حلف الناتو رسميا الحرب ضد داعش (أكثر من 40 دولة ستشارك، بشكل أو بآخر، في التحالف، حسب ما أعلنت الخارجية الأميركية). وإذا ما كان الشيطان يكمنُ في التفاصيل، فتلك المُفرَج عنها حتى الآن تكشفُ عن ضبابية في الإستراتجيات التي ستعتمد للقضاء على الخطر، ذلك أن الجهد “الفضائي” الذي يَعِدُ به الناتو من خلال الضربات الجوية، معطوفا على تأكيد تلو آخر على انتفاء إرسال قوات برية، يعكسُ لُبساً تقنيا تكتيكيا لجهة استحالة القضاء على علل الميدان من خلال مقاربات جوية، قد تُتعب وتؤذي الخصم، لكنها لن تؤدي، أبدا، إلى القضاء على الهدف الذي أعلنه اجتماع ويلز.

تستندُ الوصفة الأطلسية، هذه المرة، على الجهد العسكري البري لبلدان المنطقة، على ما يوحي اجتماع جدة العربي- التركي- الأميركي. ولئن كان تشكيلُ تحالف إقليمي يرفدُ التحالف الدولي هو مقاربة كلاسيكية معروفة في التاريخ الحديث، ولئن تمّ تبني هذا النموذج في ذلك التحالف الدولي الإقليمي الذي تشكًل لتحرير الكويت (1991)، فإن تعقّد الظروف الحالية يطرحُ أسئلةً حول مدى قدرة واشنطن على جرّ جيوش المنطقة نحو المعركة الموعودة ضد داعش.

لم ينبتْ تنظيم داعش من تربة داخلية فقط. فهو في العراق، كما في سوريا، وليدُ تواطؤ تتشابك داخله مصالح وأمزجة كافة التيارات والأنظمة الإقليمية.

صحيح أن لبّ العلّة الداعشية في العراق، كما في سوريا، ترعرع على عفن مصدره سياسات بغداد ودمشق، وصحيح أن تيارات ومشارب عراقية وسورية معارضة تشكّل نواة صلبة لتنظيم أبي بكر البغدادي، بيْد أن أعدادا هائلة من “جيش” داعش تتشكّل من مقاتلين أجانب توافدوا من خارج سوريا والعراق مخترقين حدود البلدين، مستخدمين بنى تحتية، في مجال التواصل والمواصلات، خاصة بدول الجوار، متمتعين بتسليح وتمويل عاليين، لا يمكن الحصول عليهما إلا بغضّ طرف من قبل هذه الدول.

داعش في منطق خصوبته مولودٌ أتى به حَبَلُ المنطقة باختلال دراماتيكي بدأ منذ الغزو الغربي لأفغانستان، وبعد ذلك في العراق. ذلك أن تلك الجراحة التي أرادها الغرب “شفائية” من أمراض القاعدة والإرهاب، ومن أخطار أسلحة الدمار الشامل المزعومة، أفرجت عن صبيانية مقلقة، وعن منحى استسهالي مُستخفّ بتعقيدات المنطقة.

ينتفخُ ورم داعش هذه الأيام كسياقٍ منطقي آلي لسلسة من الخطايا التي ارتكبها المجتمع الدولي بحقّ المنطقة. تغذى الورم من شعور جمعي لدى السُنّة في كل المنطقة من مآلات تذهب إلى تهميشهم وتجاوز دورهم ووزنهم التاريخيين. شكّلت الاختراقات الإيرانية المسجّلة في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، استفزازاً لسُنّة المنطقة، لاسيما لجهة شعور العامة بذلك الاستفزاز، بعد أن فاض عن مستواه العادي كعامل مناكفة بين الأنظمة والأجهزة.

تولّى الاعتراض السُني التعبير عن هذا الغضب بوسائل وأشكال مختلفة مفاجئة. خرج سُنّة البحرين في مظاهرة تاريخية حاشدة فاجأت واشنطن قبل أن تفاجئ البحرينيين أنفسهم، وتولى سُنّة العراق اللعب داخل ميدان يناور ما بين المشاركة في العملية السياسية أو الإعراض عنها، أو حتى مقاومتها بالحديد والنار، وتولى سُنّة لبنان الخروج علناً إلى الشارع اعتراضا على أدائيْ دمشق وطهران وحلفائهم جنبا إلى جنب مع المسيحيين المعترضين، فيما يبدو واضحا هذه الأيام حراك السُنّة ضد الحوثيين في اليمن المتهمين رسميا بتلقي الدعم من إيران.

يمثلُ داعش ظاهرة ما بعد الاعتراض السُنّي، ويأتي متمردا على أشكال الاعتراض السابقة متجاوزا لها على نحو أقلق منابر السُنّة التقليديين، كما منابر المذاهب الأخرى. يتحركُ داعش وفق أجندة داخلية وديناميات ذاتية، لكنه في النهاية، لابد، متأثرٌ بنهاياته المرتبطة بعواصم القرار في المنطقة وربما في العالم. ففي اختيار أهدافه نباهةُ الإستراتيجيين التي ترقى فوق الارتجال “الميليشياوي” المعروف.

يختارُ التنظيم أهدافه بعناية لإشباع حاجاته المالية والدعائية والإستراتيجية على نحو يصعبُ استئصاله. وفي لُبس ارتباطاته المزعومة سابقا مع نظاميْ طهران ودمشق، يصبحُ تفسير مواقف التنظيم وشرح خططه، ضربٌ من ضروب التخمين والاستشراف الفرضي.

لكن بعيدا عن نظريات المؤامرة التي تصاحب، وستصاحب، نشاط داعش يومياً، نلحظُ أن داعش أقلق كل الطاقم السياسي الذي يلعب ضمن العملية السياسية في العراق، من كافة المذاهب والأعراق.

أقلق أيضا طهران التي رأت بين ليلة وضحايا أن استثمارها في العراق، كما في سوريا، يتعرضُ لخطر حقيقي يستنفذ أعواما من الهيمنة على القرار العراقي، كما السوري. ثم إن داعش بدأ يقضّ مضجع النظام في دمشق، الذي لطالما راق له أن يقدم نفسه ضحية للتطرف الإسلامي (وكثيرا ما قيل عن تواطؤه في صنعه)، شأنه في ذلك شأن دول كبرى تناصبه العداء.

انطلق قطار التدخل الدولي بعزم وقوة. الرئيس الأميركي يعلن أنه يملك سلطة قتال داعش دون الرجوع للكونغرس، الأمين العام للأمم المتحدة يعلن أن تشكيل تحالف دولي لهذا الهدف لا يحتاج إلى قرار من منظمته، جون كيري في بغداد، وفرانسوا هولاند أيضاً، فيما باريس تستقبل مؤتمراً دولياً بشأن العراق.

عبَّرَتْ طهران عن غبطة مبطّنة جراء احتمال تدخل جوي أميركي ضد داعش. وبغداد، غير البعيدة عن رؤى طهران، طلبت هذا التدخل رسمياً. دمشق التي لطالما تحدثت عن مؤامرة أميركية ضدها، باركت هذا التدخل وطلبت أن يتم بالتنسيق معها.

يعني ذلك أن ضرب داعش يمثل مصلحة سريعة مباشرة لطهران ودمشق وبغداد. لكن الحرب التي قد تحصدُ محاصيلها العواصم الثلاث، قد لا تأتي غلالها بما يتناسب مع عواصم أخرى في المنطقة، بما يجعل التدخل الأطلسي الجوي العتيد مناسبة أخرى لمزيد من التوتر والمناكفة بين دول المنطقة.

تقول واشنطن إنها لن تنسّق أو تتشارك بالمعلومات مع طهران في الجهد المتوخى ضد داعش.

في ذلك نفهم أن واشنطن تتحرى جيشاً من السُنّة يكافح التطرف السُنّي. بكلمة أخرى، يسعى الأطلسي، وفق منطق “الصحوات”، إلى توريط الأنظمة السُنّية في المنطقة في نزاع بريٍّ طويل الأمد يأتي بالنهاية لصالح طهران، بشكل مجاني لا يكلفها تورطاً، ويحفظ قواها من أخطار الاستغراق في وحول حروب غير مضمونة.

كرَّرَ العاهلُ السعودي في الأسابيع المنصرمة إطلاق النداءات من أجل مكافحة الإرهاب، ودعا عواصم العالم للتحرك ضده قبل انتقاله في اتجاههم.

لكن هل سيكون مطلوبا من السعودية والخليج وتركيا ومصر خوض الحرب الكبرى المفترضة دون مقاربة سياسية شاملة تعالج الخلل الموضوعي الذي تسببه السياسة الإيرانية في المنطقة؟

ثم هل تسمح بغداد بدخول تلك الجيوش السُنّية الافتراضية إلى العراق؟ ثم كيف سيقضي العالم، وفق المقاربة الاطلسية، على داعش في العراق دون علاج آخر في سوريا؟ وما منطق تأمل الحالة الداعشية في الموصل وإهمالها، على الأقل في بيان الأطلسي، في الرقة؟ ثم هل يشارك الأتراك بصفتهم سُنّة، أم أطلسيين؟ ثم كيف تلتقي دول الخليج مع تركيا في الحرب ضد داعش، وبينها خصومة وتوتر بسبب مناصرة أنقرة للإخوان المسلمين؟

محصلة القول أن الهمّة الغربية اللافتة ضد داعش هذه الأيام تشكو من نواقص بنيوية تصبّ كثيرا من المياه المطمئنة في طاحونـة داعـش. على أن تلك النواقص ليسـت أخطـاء مطبعيـة يجري تصحيحها، بل علل جوهرية مرتبطة بأزمة المنطقة برمتها.

وما يمكن التسليم به، حتى الآن، أن الضربات الجوية، التي بدأت أميركيا وقد تتعاظم أطلسياً، لن تتمكن من القضاء على داعش، وأن جبهة الخصوم المفترضين ضد تنظيم البغدادي حول سوريا والعراق منقسمة على نفسها وتتناقض في ما بينها، على نحو يجعل من الجهد البري العتيد ورشة عسيرة وربما مستحيلة في وقائع ومعطيات اليوم.

قبل أيام قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إن “خطر إيران يفوق خطر الدولة الإسلامية، وإن طهران تسعى لتشكيـل حزام شيـعي يمتدُ من طهـران إلى بيروت مروراً بالعراق وسـوريا”، شـارحاً أن “ذلك يأتي كمحاولة لإحياء الإمبراطورية الفارسية في إطار طائفي شيعي” معتبراً أن تنظيم الدولة الإسلامية “مجرد مجموعة من المغامرين الذين يعتنقون أفكاراً عنيفة”.

ربما في تأمل فتاوى كيسنجر ما يطرح أسئلة حول الهدف الحقيقي من هذا التدخل الدولي المرتجل.


صحفي وكاتب سياسي لبناني

8