مجالس مهرجان الظفرة تبدأ وتنتهي بحب الحكمة

في مهرجان الظفرة للإبل الذي يقام في المدينة المحاذية للعاصمة الإماراتية أبوظبي على مدار أسبوعين والذي اختتمت فعالياته الخميس، يبدو التاريخ قد ارتدى حلة معاصرة ومرفهة في صحراء أخلصت لأبنائها الذين فجروا طاقاتهم في إعمار الصحراء دون نسيان ذلك التراث الذي عاشه الأجداد رغم الحياة القاسية، لكنها مفعمة بالحكمة.
الجمعة 2017/12/29
الأناقة قبل المزاد

أبوظبي – تجلس مجموعة من الأطفال بأزيائهم الإماراتية في حلقة مدورة داخل مجلس، هو في واقع الأمر مضيف شاسع يمتد عشرات الأمتار مشيد بهيئة خيمة مستطيلة ومفتوحة على أفق صحراء الظفرة على تخوم الربع الخالي.

يكاد هؤلاء الأطفال يعيدون حلقة من التاريخ الآفل لحياة البداوة التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، وهم اليوم مع آبائهم وأمهاتهم يقضون أسبوعين من الاحتفال التراثي بالإبل وسباقها ومزاينتها باختيار الأجمل منها وفق شروط صارمة تحددها لجنة المسابقة.

في مهرجان الظفرة للإبل الذي يقام في المدينة المحاذية للعاصمة الإماراتية أبوظبي على مدار اسبوعين، يبدو التاريخ قد ارتدى حلة معاصرة ومرفهة في صحراء أخلصت لأبنائها، فيما فجر الأبناء الطاقات في إعمار الصحراء، دون نسيان ذلك التراث الذي عاشه الأجداد في حياة قاسية، لكنها مفعمة بالحكمة.

تلك الحكمة التي يستعيدها الرجال من الإمارات العربية وباقي دول الخليج العربي في هذا المهرجان الذي شاركت فيه نحو 15 ألف جمل، لا تكمن فقط في الاحتفاء بالجمال أو سفن الصحراء الحربية، بل حبا في الحكمة التي جاءت عصارة حياة طويلة في الصحراء.

ويعد المهرجان بمثابة حلقة وصل بين الأجيال ومناسبة أساسية لإحياء التراث لدى الأجيال الناشئة التي تعيش في بيئة معولمة ومنفتحة على سائر الثقافات.

عشق ينمو منذ الصبا

تشيد المجالس على مدار الأفق في صحراء الظفرة وتجهز بمتطلبات الضيافة من الطعام والشراب، فيما يبقى الكأس المعلى للقهوة العربية التي تقدم بتقاليد صارمة وباحترام جم سيد المجالس به نفتح اللقاءات والضيافات.

يجلس فارس خلف المزروعي رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية رئيس اللجنة العليا لمهرجان الظفرة، في صدر المجلس، رجل بدت على ملامحه حكمة الشيوخ الأوائل الذين أنجبتهم الصحراء، يستمع للأحاديث التي تتداول بين الضيوف من مختلف دول العالم وأصحاب الإبل بعد يوم احتفالي من السباقات التي تبلغ جوائزها أكثر من عشرة ملايين دولار.

يتبادل الحديث بين الحاضرين بلغة عربية، لكن لا يبدو الأمر مفاجئا عندما يبدي أحدهم حديثا بلغة أخرى، فالضيوف قادمون من شتى أنحاء العالم ومن مختلف الثقافات.

فمهرجان الظفرة في دورته السنوية الحادية عشرة فتح أفقا لحضور المهتمين بالجمال كثقافة تاريخية، من كل بقاع العالم.

إبل مختلفة الجنسيات

قد تكون الجزيرة العربية الموطن الأصلي للإبل لكنها موجودة أيضا في أستراليا ومنغوليا والصين وروسيا وفي بعض البلدان الأفريقية وعدد قليل من الدول الأوروبية، وهذا ما يعبر عنه الأسترالي كاميل دارشي الذي كان من ضمن أشهر ضيوف المهرجان منذ دوراته الأولى.

الجمال مهمة لهذا الرجل الأسترالي الذي قال لصحيفة “العرب”، “أنا هنا في الظفرة لأضيف ثقافة ومعرفة بالجمال التي أهتم بها منذ زمن، فأنا وزوجتي نمتلك القليل منها في حقلنا بأستراليا، وليس كما هو الحال في الإمارات حيث يمتلك بعضهم عشرات الآلاف منها”.

يقول كاميل دارشي الشغوف بالإبل “لدي معرفة وعلاقة جيدة مع الجمال، وهذه المهمة الأولى التي يجب أن يتقنها مربي الجمال، العلاقة بالجمل تعني كل شيء، لذلك تراني لست غريبا عن أهل الظفرة لأنهم جميعا يحبون الإبل ويعتنون بها، كما أطمح إلى أن تنتشر مثل هذه الثقافة بين الأستراليين”.

الأصايل والمجاهيم ترسم لوحة الصحراء

وعندما سألته عن السبب الذي يدفعه إلى ذلك، عبّر دارشي عن أسفه لأن الغالبية العظمى من الأستراليين لا يقدرون قيمة مئات الآلاف من الجمال التي تعيش على أراضيهم، إنهم يخافونها لأنهم لا يعرفون كيف يقيمون علاقات معها، فالجمل يمتلك مشاعر متفوقة على بقية الحيوانات، ويقوم الكثير من الأستراليين بإطلاق النار على الجمال وقتلها بحجة أنها حيوانات خطرة، لكن الأمر مختلف بالنسبة لي فلدي سبعة جمال في حقلي الذي أديره بمعية زوجتي وعلاقتنا بها جيدة.

وشدد الراعي الأسترالي دارشي في حديثه لـ”العرب” على أن الجمال حيوانات ذكية جدا، لكن المشكلة أنه لا يمكن إرغام الأستراليين على حبها قبل أن تكون لديهم معرفة بها، وهنا تكمن الحاجة إلى هذه الثقافة التي أعمل بجهد شخصي على إشاعاتها بين الأستراليين.

وقال كاميل بحكمة البدوي “الحضارة الحقيقية يجب أن تعيد العلاقة مع الجمل على الأقل في أستراليا، فما بين عامي 1860 و1920 كان التنقل في أستراليا بالجمال قبل اكتشاف القطارات، فلماذا تتنكر هذه البلاد للجمل؟”.

رحلة إلى الظفرة

قبل أسابيع من موعد انعقاده سنويا في شهر ديسمبر، تبدأ مواكب مربي الإبل من الشيوخ وأبناء القبائل بالتحرك من سائر أنحاء الجزيرة العربية، باتجاه أرض المهرجان إلى أن يكتمل المشهد في الظفرة مع المئات من المربين والمقتنين وعشاق التراث والآلاف من رؤوس الإبل من السلالات الأصيلة فقط، الأصايل والمجاهيم.

وهذا ما جعل الموريتاني السالك علي بوب يكون بين المشاركين في مهرجان الظفرة أسوة بضيوف من دول عربية أخرى.

وقال السالك في حديثه لـ”العرب”، “الظفرة مدينة كريمة مع ضيوفها، مثلها مثل أبوظبي، لذلك تراني هنا أنعم بهذه الحياة الصحراوية الناصعة والصادقة، وأنمّي خبرتي عن الإبل التي لعبت دورا كبيرا في مساعدة شعوب المنطقة على استادمة الحياة في ظل ظروف بيئية شديدة الصعوبة”.

ولن ينسى زوار المهرجان مشاهد احتفال أبناء القبائل بفوز الإبل التي يملكونها بالأهازيج الشعبية والهتافات الحماسية وبدهن رأس الابل الفائز بالزعفران كنوع من التكريم الثمين ومباركة المالك الفائز وتهنئته بالفوز الذي يتمناه الجميع.

ومثل هذا الأمر كان موضع جذب وإثارة للبريطانية ميشال رولتز التي كانت مع زوجها من بين الحاضرين لفعاليات مهرجان الظفرة للإبل.

وقالت ميشال لـ”العرب”، “أنا في غاية الدهشة من الطقوس والفعاليات التي تقام في مهرجان الظفرة، إنها محفز حقيقي على المزيد من المعرفة حول علاقة الانسان مع هذا الحيوان الجميل، وستكون لي دافعا لتقصي المزيد، لأنني أزور المهرجان للمرة الأولى لكنها لن تكون الأخيرة ويشاركني زوجي بهذا الاهتمام والاطلاع على ثقافة الشعوب الأخرى أيضا”.

وأضافت “أقضي احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة في صحراء الرمال الساحرة مع مربي الجمال، كنت بينهم باحتفالهم بفوز إبلهم في السباق، وهو أمر لا يتسنى إلا لمحظوظ مثلي حضوره”.

إلى جانب الطابع التراثي، يشكل مهرجان الظفرة منصة فريدة من نوعها لإبرام صفقات شراء الإبل.

ويشمل المهرجان العديد من الفعاليات المصاحبة مثل السوق الشعبي ومسابقة التمور والشعر والتصوير الفوتوغرافي والموسيقى الفلكلورية، ومسابقات للصقور والسلوقي والخيول.

وكان الفنان السعودي عبدالله الحارثي من بين الذين يؤرخون لفعاليات هذا المهرجان عبر برنامج تلفزيوني يبث من قناة بينونة المهتمة بالتراث الإماراتي.

وقال الحارثي لـ”العرب”، “كنت من بين الأوائل الذين ساهموا في فعاليات المهرجان عبر برنامج ‘عين على الظفرة’ الذي كان يقدم الصورة والمعلومة للمشاهد العربي التواق إلى المزيد من المعرفة بتراث أجداده وكيف كانت علاقتهم بالأرض والكلمة ورفيق حياتهم الجمل”.

وأكد الحارثي أن “المهرجان أصبح حلقة وصل دائمة بين أبناء الخليج العربي وخصوصا مربي الجمال منهم، إنه اجتماع إخوة مفعم بالمعلومات والتعارف والاستذكار وترسيخ تقاليد تراثية مهمة”.

بينما كان المصري كامل محمد يتحرك بين مربي الجمال وكأنه على معرفة قديمة بهم، هكذا هي الحياة في الصحراء تمنحك الثقة بالآخر مثلما تكون موضع ترحيب من قبله أينما حللت.

يقول كامل لـ”العرب”، “أيام المهرجان ثمينة بالنسبة لي، فهي تمنحني الخبرة والمعرفة في عالم عميق وعلاقة أزلية بين الإنسان والجمال”.

وعبر كامل عن سعادته بحضوره صفقات بيع وشراء الإبل ونقاش الأسعار وخصوصيات النوق والجمال ويسعد كامل لسعادة البائع والشاري حيت تغمرهما الفرحة وكأن كلاهما فائزين، ففي هذا المهرجان هناك تجارة وثقافة، ومربو الإبل يأتون إلى الظفرة من أجل التجارة والثقافة.

20