مجانية الإنترنت تنهي تقاليد الجزائريين الصحافية

لا يمكن الحديث عن دعم الحكومة الجزائرية للصحافة دون أن يكون هذا الدعم مشروطا برضاها عن المحتوى المقدم، وبات هذا السلاح أكثر فعالية مع الأزمات الخانقة التي تعاني منها الصحافة وتهدد وجودها.
الجمعة 2017/12/01
صحافة مهددة بالزوال

الجزائر - تشهد الصحافة المستقلة في الجزائر التي نشأت قبل 25 عاما أزمة غير مسبوقة، مع هجرة القراء إلى الإنترنت والتلفزيونات الخاصة وازدياد الضغوط السياسية الاقتصادية، ما أدى إلى توقف العشرات من الصحف وتهديد الكثير غيرها.

انطلقت الصحافة المكتوبة الخاصة في الجزائر في مطلع التسعينات من القرن الماضي وهي وليدة “الربيع الديمقراطي” الجزائري الذي أعقب أحداث أكتوبر 1988 التي أنهت حوالي ربع قرن من حكم الحزب الواحد واحتكار وسائل الإعلام الرسمية.

في تلك الفترة تأُسست عشرات الصحف، حقق بعضها مبيعات واسعة وما زال يصدر، على غرار صحيفتي الشروق والخبر الناطقتين بالعربية والوطن و”ليبيرتي” و”لو سوار دالجيري” الناطقة بالفرنسية. لكن منذ 2014 غابت 26 صحيفة يومية و34 أسبوعية بحسب ما أعلن وزير الاتصال جمال كعوان مطلع أكتوبر، آخرها صحيفة “لا تريبون” الفرنكوفونية المتواضعة المبيعات والتي أغلقت في أغسطس بسبب خلافات بين المساهمين ووسط مشاكل مالية.

ومازالت حوالي 140 يومية وأسبوعية تصدر في الجزائر، لكن مبيعاتها شهدت انهيارا في السنوات الأخيرة.

وأفادت دراسة للأستاذ في جامعة الجزائر رضوان بوجمعة بتدهور مجمل مبيعات الصحف الوطنية بنسبة 40 إلى 60 بالمئة منذ 2012. وهبطت مبيعات يومية الخبر من 1.2 مليون نسخة في 2000 إلى 465 ألفا في 2012 ، لتتدهور إلى 200 ألف في 2017 بحسب أحد مدرائها السابقين علي جري.

ولم تعد الوطن تطبع أكثر من 90 ألف نسخة حاليا مقابل أكثر من 160 ألفا في 2012 بحسب مديرها عمر بلهوشات.

وتشير هذه الأرقام إلى حجم التراجع المدوي عند النظر إلى دراسة أجراها معهد “ايمار” في 2010 أفادت بأن 60.5 بالمئة من الجزائريين فوق 15 عاما يقرأون الصحف اليومية.

لكن بوجمعة لفت إلى أن هذه الدراسة “جرت قبل اعتماد شبكات المحمول من الجيل الثالث والرابع” في 2014 ثم 2016، حين سجلت مبيعات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية “ارتفاعا هائلا” فيما “هبط عدد قراء الصحافة المكتوبة”.

1.2 مليون نسخة مبيعات الخبر في 2000 وهبطت إلى 200 ألف في 2017

وأوضح الأستاذ الجامعي أن “المجانية الكاملة” على الإنترنت سرعت انتقال الكثير من القراء إلى الشبكة لمتابعة الأخبار، وسط عجز الصحف عن التأقلم.

وعانت كذلك الصحافة الورقية مؤخرا من تكاثر قنوات التلفزيون الخاصة ولا سيما الإخبارية المتواصلة منذ 2012 التي سيطرت على سوق الإعلانات بكسر الأسعار.

ووعدت الحكومة بتخصيص أموال صندوق مساعدة بقيمة حوالي 6 ملايين يورو في 2018 لوسائل الإعلام التي تواجه “صعوبات مالية”، بعدما كانت مجمدة منذ العام 2000 بسبب خلاف بين الناشرين والصحافيين.

ولا يمكن الحديث عن دعم الحكومة للصحافة دون أن يكون هذا الدعم مشروطا برضاها عن المحتوى المقدم، فالكثير من الجهات الفاعلة في قطاع الصحافة الورقية الخاصة والمدافعين عن حقوق الصحافة يتهمون السلطات بالضغط اقتصاديا على صحف من خلال الإعلانات المؤسساتية التي تسيطر بحسب وزارة الاتصال على 20 بالمئة من سوق الإعلانات.

وتبدو الدولة التي لطالما كانت اشتراكية حاضرة كليا في المجال الاقتصادي وهي المُعلن الأول في البلاد من خلال إداراتها ومؤسساتها، ما يعني أن على وسائل الإعلام أن تسير وفق هوى الحكومة.

وتخضع إدارة الإعلانات قانونيا لاحتكار “الوكالة الوطنية للنشر والإشهار”، وهي أداة سياسية توزع إعلاناتها على وسائل الإعلام التي تعتبر مراعية للسلطة و”تعاقب” الأصوات المخالفة بحسب منتقديها.

وكانت مديرة صحيفة الفجر حدة حزام التي تمثل الصحافة النسوية آخر المعاقبين في نوفمبر المنقضي، حيث نفذت إضرابا عن الطعام طوال أسبوع تنديدا بـ”خنق” صحيفتها، مؤكدة أن الوكالة الرسمية حرمتها من إعلانات الحكومة والشركات التي تملكها الدولة عقابا لها على تصريحات لقناة فرانس 24 في أغسطس انتقدت فيها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وأكدت أكثر من صحيفة التعرض لعقاب مماثل، وتلقت حزام دعم الأغلبية الكبرى من الصحافة الخاصة التي دعت إلى إنهاء احتكار “الوكالة الوطنية للنشر والإشهار” للإعلانات الرسمية.

من جهته أفاد بلهوشات بأن صحيفة الوطن التي علقت مرارا في التسعينات “محرومة من الإعلانات الحكومية منذ 1993”، وكذلك من جزء كبير من الإعلانات الخاصة منذ معارضتها في 2014 لولاية رابعة لبوتفليقة، مشيرا إلى أنه اضطر منذ ذاك الوقت إلى زيادة سعر البيع بنسبة 50 بالمئة.

18