"مجانين بيت لحم" صورة جديدة لفلسطين والفلسطينيين

الأربعاء 2015/04/22
حصولي على جائزة الشيخ زايد للكتاب إعلان لانحياز الجائزة للكدّ والجهد

أسامة العيسة كاتب وصحفيّ فلسطيني، ولد في بيت لحم عام 1963، له العديد من الإصدارات الأدبيّة والبحثية وحاز على جوائز أدبية وصحفيّة عدّة، كان آخرها جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي يعتبر حصوله عليها بمثابة إعلان انحياز الجائزة للكدّ والجهد ودلالة له على صحّة خياره الأدبي القائم على اقتراحات لرواية عربيّة جديدة.

في روايته “مجانين في بيت لحم” يروي أسامة العيسة قصصا لشخصيّات يعرفها جيّدا فلا يتناولها من باب الفردوس المفقود للوطن المحتل، بل يلجها من باب جديد ربّما هو الذي أعطى المكان بعدا بين الخيال والوهم والواقع، ليكون أبطاله مزيجا بين الطرفة والكوميديا السوداء داخل وخارج جدار مشفى الأمراض العقلية، على تلّة الدهيشة في بيت لحم الفلسطينيّة.

هوية مكان

بين الرواية الشفاهية التي بدأ بها العيسة روايته بجملة -يقول الفلسطينيّون- وبين الأسطورة القديمة التي آمن بها سكّان تلك الأرض في زمن قديم، وبين التاريخ الحديث، قارب الفائز بالجائزة الأغلى عربيّا بين مكوّنات الزمان والمكان، فانتصر للأرض بين تلّتين في منطقة الدهيشة الفلسطينيّة، وبانتصاره ذاك وصل إلى المرتبة الأولى في جائزة الشيخ زايد للكتاب في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، التي قالت عن الرواية في بيان الإعلان إنّها نصّ أدبي فريد، يهتمّ بسيرة المكان ويتتبّع تغيّراته في العالم العربي، وهو عمل يستلهم أساليب السرد التراثية إضافة إلى أنّه يفيد من وسائل تقنيّات السرد المعاصرة ويمزج مزجا إبداعيا بين التاريخ والتحقيق الصحفي وبين الواقع الغرائبي، وتظهر الشخصيّات على نحو ثري والحكايات الفرعية متناغمة مع الحكاية الأم، إنها ترمز إلى الوطن الذي يتآكل تحت وطأة التغيّرات السياسية التي تعصف به، تقتحم موضوعا يكاد يكون بكرا في الأدب العربي و تقدّم الفلسطينيين كما هم، بشرا من دون نبرة خطابيّة ولا مناجاة غنائية، رواية جديدة ليس فقط في موضوعها ولكن أيضا في اقتراحها شكلا يناسب المضمون.

مجانين بيت لحم تقع في ثلاثة أسفار تتوزّع بين سفر التكوين وسفر من لا أسفار لهم وسفر مشمشي، يقدّم لها ضيفنا بثلاث عتبات تضع القارئ مباشرة أمام النص، يبدؤها أسامة العيسة بطريقة السرد الشفاهي بمقاربة جديدة للقضيّة الفلسطينيّة، ويكون مسرح الأحداث منطقة الدهيشة.

أسامة العيسة سفيرنا الصحفي والروائي
نادر دكرت

على أثير الإذاعة الوطنية المغربية حلق الكاتب أسامة العيسة بين أعماله ليقول لنا إن كل لحظة زمنية يمكن أن نكتب عنها، فلكل حجر في فلسطين قصة يمكن أن تروي رواية أو تلقي قصيدة، ولم يترك المستمع يحتار بالسؤال فقد أكد ارتباطه بمخيم الدهيشة ومدينة بيت لحم وانحيازه إلى المهمّشين والفلاحين والطبقة العاملة الفلسطينية، والتي يحاول المحتل أن يحاصر ذاكرتها ومكانها وزمانها ويسرقها منه ومن الشعب الفلسطيني بأكمله.

أظهر الكاتب قلقه على المكان والزمان وحتى الحيوان والنبات، والذي تحاول إسرائيل نسبة ذلك إليها عبر سرقة الأسماء والأنواع. مرّ أسامة على رواياته التي تعتبر بحق سلاحا يقاوم تزوير المكان فكانت رواية (المسكوبية) شرحا عن القدس كلها وليس السجن الذي اعتقل فيه عدة مرات فحسب، وعرج على البنايات والشوارع ليرسم أدب المكان وأدب السجون، فهو يسابق الزمن والجدار الفاصل ويعاصر ذلك الصراع على الذاكرة، ويقاوم أيضا كي يحمي الذاكرة الفلسطينية التي يحاول المحتل شطبها. أسامة العيسة لا يقدم القدس في جولة سياحية لإرضاء وجهات نظر معينة إنما يكتب ما يشعر فيرضي نفسه والقارئ ويلملم الأشياء ويحمي المكان بقلمه المقاوم.

يعرج الكاتب على روايته “امرأة العشق المقبل” لتسقط العَبرات رغما عنه فنلمس ذلك في صوته فهي قصة حقيقية لزوجة أحد المناضلين الشهداء الذي عاش مطاردا لسنوات إلى أن أطلق الاحتلال الرصاص عليه وأعدمه ميدانيا دون محاكمة، ولم يكتف بذلك بل قام بتعرية زوجته التي كانت على وشك الولادة أمام والدها مما أدى إلى إصابة هذه المرأة بحالة نفسية غريبة وظل الأهل في قلق خوفا أن تقوم بعمل يودي بحياتها. أراد لها أسامة أن تعيش وأن تضرب بحجر نحو المحتل لترسم مستقبلا، وهنا يوصل الكاتب الصورة واضحة بأن المحتل هو من كان عاريا حتى من الأخلاق.

أمّا رواية “مجانين بيت لحم” فقد كانت الغربة حتى في الجنون، حيث ضمت بيت لحم مرضى نفسيين من كل العالم العربي وصلوا فلسطين قبل العام 1967، ولم يعرف عن أهلهم شيئا بعد ذلك فكان واقعا غريبا خصوصا حين يموت الشخص فمن سيدفنه ومن سيمشي في جنازته ومن سيبكي عليه، وقد تابع الكاتب هذه القصص من خلال سكنه القريب منهم، فرأى تلك القصص الكثيرة في هذا المبنى؛ هناك منهم من يحب ومن يفكر في الزواج أوّ أنهم اخترعوا هذه القصص على حدّ تعبيره.

اما “قبلة بيت لحم الأخيرة” فقد عرج فيها على تغيير المعالم المدنية والحضارية حيث لم يبق من أراضي بيت لحم سوى ثلاثة عشر بالمئة وهي رواية تتحدث عن أسير فلسطيني يخرج من المعتقل بعد عشرين عاما بسبب الوقوف بجانب فتاة أراد جيش الاحتلال الاعتداء عليها وحينها يشهد بروز الإسلام السياسي ويشغله هاجس بروز مظاهر تؤثر على المجتمع المدني والعيش المشترك في المدينة منذ قديم الزمان.

أخيرا: أسامة العيسة أظهر بالفعل أن الكاتب سلطة سياسية وهو حارس الهوية الوطنية وحارس الزمان والمكان، فهو لم يكتب عن المسؤولين والوزراء بل عن الشعب المهمّش صاحب الحظ الأقل، وكان بالفعل ضمير الناس الذين ناضل معهم ومن أجلهم في دروب المخيم.

نسأله عن قصّة ذلك المكان وعن أصل هويّته التي قدّمها في مجانين بيت لحم، إن أتت من تاريخه العميق أم من حال ساكنيه، فيعترف أنّه اختار بقعة جغرافيّة فيها من قدم الإنسان والمكان أكثر من معنى للفلسطينيين بشكل أراده جديدا وهو هنا يقرّ بصعوبة ذلك على الأقل فيما يخصّ فلسطين التي يكتب عنها وعن أهلها، ففصل تاريخ المكان عن ساكنيه هناك كما يعتقد ضيفنا حالة عيش جدلية بين المكان وأهله، إذ يفضي المكان الكثير على ساكنيه، ويتحكم في رؤاهم عن أنفسهم وعن الآخرين في ذات الآن.

لذلك نراه يتحدّث في روايته الفائزة عن رؤية بانوراميّة لمكانين في بقعة جغرافية واحدة، بين الدهيشة والدهيشة المخيّم، في إشارة كما يقول إلى تعرّض المدينة الفلسطينيّة سنة 1948 إلى نكبة، تضاف إلى نكبة ناسها، فكانت حواضر مثل يافا، تم مسحها، وحشر الناس، في جبال فلسطين الوسطى في تجمعات سكّانية من الصّعب وصفها بالمدن، تلكّ التجمّعات هي التي تناولها العيسة حيث لجأ إلى الجنون حتى يكون موضوعا.

دقّة المشهديّة التي تعامل معها ضيفنا في نصّه قدّم لها كما يقول ما يمكن تسميته عتبة دخول القارئ في سعي منه إلى إشراك المتلقّي في المغامرة في آلية جديدة يقود فيها القارئ دفّة القيادة في رحلة الاكتشاف، التي مزج فيها الأسطورة الشعبيّة بالحقائق الأليمة.

الجنون مخرجا

يرى الروائي الفلسطيني أسامة العيسة أنّ العالم العربي يعيش حالة جنون مستمرة منذ عقود، أنظمة اشتراكية تتحول إلى رأسمالية، وشعارات الوحدة تؤدي إلى مزيد من التشرذم على أرض الواقع، وربيع يتحول إلى شتاء طويل، أما بالنسبة إلى فلسطين فكما يؤكّد أنّه لولا الجنون، لما استطاع الجميع العيش هناك دقيقة واحدة، وفي ظلّ ها المشهد المتأزّم يعتقد العيسة أن الروائي يلعب دورا هاما في مجتمعه، ولكنّه يحتاج إلى اعتراف الآخرين بما يقدّمه حتّى يستمر مع يقينه أنّ الثقافة ليست همّا أساسيا في مجتمعاتنا التي تنهشها القبائلية والطائفية والحزبية.

وعن فهمه لدور الأدب، يرى ضيفنا أنّ الأدب يمكن أن يكون ضميرا، سلطة ما، ربّما تكون ضعيفة ولكنها مرجعيّة. وعن ملامح المشروع الروائي والثقافي الذي يحاول أسامة العيسة تقديمه إلى المجتمع، يقول إنّه يريد أن يقدّم المكان والإنسان الفلسطينيين بشكل جديد، فهما، حسب ضيفنا، لا يزالان بكرين يحتاجان إلى الاكتشاف.

ضيفنا الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب قادم إلى العمل الأدبي من خلفيّة صحافيّة ليعترف أنّه يعمل في الصحافة برؤية الأديب، ويكتب الأدب مستفيدا من التقنيات الصحافية، التي استفاد منها بشكل واع كما يقول.

عن بناء السرد في مجانين بيت لحم نسأل ضيفنا هل لعبت الصدفة معه في السرد أم أنّها أتت نتيجة تخطيط مسبق لتحطيم السائد والمعروف لإنتاج نص جديد ؟ ليؤكّد أنّها ليست الصدفة إطلاقا فهو يكتب بانتظام دون الخضوع لمنطق الصدفة إلّا ضمن مفهوم أنّ الصدفة هي ابنة الضرورة، ومن هنا يعمل على ما أسماه استكشاف ما يمكن أن يحمله فن الرواية من إمكانيات مذهلة.

عندما نكتب عن فلسطين فنحن ندخل في قائمة طويلة من الكتّاب والشعراء الذين تناولوا هذه القضيّة الشائكة في إنتاجهم الأدبي، لذلك ربّما أدرك الروائي الفلسطيني أسامة العيسة هذه النقطة فلجأ إلى مقاربة جديدة في بناء الرواية العربية ليكتب مجانين في بيت لحم، الرواية التي فازت بجائزة الشيخ زايد للكتاب. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي أسامة العيسة.

15