مجتمعات الغد متقدمة ومعقدة

الأحد 2013/10/13
الحاسوب.. يسهم في التشويش المعلوماتي

لندن- ظهرت شبكات التواصل الاجتماعي إلى الوجود منذ 20 سنة فقط، غير أنها تطورت بسرعة تصاعدية مذهلة، حيث يمكن اليوم الإقرار بأن أعداد أجهزة الكمبيوتر الموصولة ببعضها البعض حول العالم أضحت تفوق أعداد البشر، وأصبح هنالك اليوم حوالي 12 مليار جهاز كمبيوتر موصول بالشبكة أي 1.60 جهاز في المتوسط لكل إنسان على كوكب الأرض.

إن الهدف المنطقي من التراكم المعلوماتي هو الاستفادة منه من أجل زيادة راحة الإنسان ورفاهيته وزيادة معرفته بالعالم المحيط به إلا أن هناك خوفاً من أن هذا الطوفان المعلوماتي سيترك آثاراً سلبية خطيرة على حياته.

فأمام كمّ هائل من الكلمات والصور والأصوات والمخططات والرسومات والبيانات والأرقام والعلاقات التي تشكل كلها في النهاية المعلومات وتغمر حياة الإنسان في كل مكان فإنه سيشعر بالعجز والضياع والتفتت في مجتمعات يزداد تعقيدها أكثر فأكثر وتفرز دائماً تراكمات معلوماتية جديدة.


«فوضى» رقمية


رغم أن الحاسوب قد تم ابتكاره أصلاً للسيطرة على كمّ كبير من المعلومات وتنظيمها وبرمجتها فإنه هو نفسه قد يسهم في التشويش المعلوماتي وتنامي الفوضى المعلوماتية. فهو يقدم كمّا هائلاً من المعلومات الجزئية والمتخصصة والتفصيلية لأصغر قضية حيث يصعب على الفرد المتابعة والاختيار واتخاذ القرارات وقد تصيبه بالشلل أمام قضايا قد يحسن حلها حدسيا مع معطيات أولية بسيطة.

وللهروب من هذا قد يلجأ الإنسان إلى التخصص المتزايد في عمله وحياته مما يزيد في ضياعه. وقد يعيش في تلوث معلوماتي بدلاً من تلوث بيئي يؤدي به في النهاية إلى شعور وإحساس عام بغياب المعنى وخاصة مع تشكيل كتل معلوماتية ضخمة منفصلة وغير متفاعلة مع الحياة الإنسانية.

وهذا ما تتحدث عنه تيارات ما بعد الحداثة عن حالات الشيزوفرينيا والتشتت واللااستمرارية والفوضى التي ستصيب مجتمعات الغد المتقدمة والمعقدة. ومن هنا تنتشر الأصوات ضد التخصص المغرق الذي سيفرضه "مجتمع المعلومات" والدعوة إلى كليانية قائمة على أساس معرفي جديد تعطي المعنى لحياة الإنسان.

فالأيكولوجيون على سبيل المثال يكتشفون أكثر فأكثر التشكيلة الطبيعية للعلاقات المتبادلة بين الأنواع الحياتية على سطح الأرض ضمن كلية نظام واحد متناغم. أما إنسان المجتمعات النامية فيتوجب عليه الصراع الدائم بين الرواسب الخرافية التي تشده إلى الماضي وبين تطلعاته إلى "مجتمع معلوماتي" مستقبلي.. تتحكم فيه بنى حضارية متقدمة تقوم على رؤى عقلانية وإدارة علمية.


التراكم المعلوماتي


إن الكمّ المعلوماتي الهائل الذي يتم إنتاجه يوميا في الوقت الراهن على المستوى العالمي يبلغ أرقاما خيالية تصل إلى 2.90 مضروبة في 1018 (أي 2.90 مليار مليار) من البيانات، أو ما يعادل مساحة تخزينية تصل إلى 5.80 مليار قرص صلب (Hard disk) بسعة 500 جيغابايت، وأصبح كل إنسان من سكان الكوكب يتلقى 320 ضعفا من المعلومات مما توفره جميع وثائق مكتبة الإسكندرية وكتبها ومخطوطاتها، أي 1200 إكسابايت (1200 مليار مليار بايت)، ولو تم تخزين هذا الكم الهائل من المعلومات على أسطوانات مدمجة (Cd-rom) لشكلت خطا مستقيما يربط بين الأرض والقمر علما أن المسافة بينهما تصل في المتوسط إلى 404403 كلم.

مع مطلع فجر اختراع الطباعة الحديثة من طرف الألماني يوهان غوتنبرغ تضاعف مرتان الكمّ المعلوماتي المتوفر على مستوى أوروبا برمتها في ظرف خمسين سنة ما بين 1453 و1503، فانطلقت نهضة أوروبية خلاقة وتبعا لذلك تم طبع 8 ملايين كتاب آنذاك، أما في الوقت الراهن فإن الكمّ المعلوماتي أضحى يتضاعف كل 3 سنوات أي ما يفوق 30 ٪ بقليل كل سنة، إضافة إلى ذلك لم يكن سنة 2000 سوى بتbit' ' – والبت هو أصغر وحدة حاملة للمعلومة- معلوماتــي واحد من أصل أربعة بصيغة رقمية، أما اليوم فإن 90 ٪ من المعلومات المتداولة عالميا أصبح كذلك، وتجدر الإشارة على أن 90 ٪ من هذا الكمّ المعلوماتي الحالي تم إنتاجه فقط خلال سنتي 2011-2012، وأن 95 ٪ من التدفق المعلوماتي على المستوى العالمي ما بين الدول والقارات يمر عبر آلاف الكيلومترات من كابلات الألياف البصرية التي تقبع في أعماق المحيطات والبحار، ولم يكن من الممكن الوصول إلى هذا المستوى من الطوفان المعلوماتي دون الحديث عن مراكز تخزين البيانات المنتشرة حول العالم، والتي يبلغ عددها في الوقت الراهن 500000 مركز بيانات، أي ما يوازي إنتاج 30 محطة نووية، وتستهلك هذه المراكز 1.40 ٪ من الطاقة الكهربائية العالمية، ويُخَصص ما يصل إلى 30 ٪ من هذه الطاقة لتبريد هذه المراكز الضخمة التي تعمل دون انقطاع بالليل كما بالنهار للحيلولة دون ارتفاع حرارتها إلى مستويات قياسية تهدد بنسفها.

قال الأوائل الشيء إذا فات حده انقلب إلى ضده، فمنذ منتصف تسعينات القرن الماضي ما فتئت الأمور تسير بسرعة أكثر فأكثر، لدرجـــة أن قوة الحواسيـــــب تتضاعف كل سنتين، وقد تم ضربها ألف مرة خلال عشر سنوات، ومليون مرة خلال عشرين سنة، حتى أن عددا كبيرا من المفكرين صرح على أن هذه السرعة في التقدم التقني تقربنا من نهاية العالم، فتقنيات مثل الهاتف الخليوي والإنترنت والاستنساخ والتعديل الوراثي أضحت تغير نمط معيشتنا وحياتنا من أسبوع إلى آخر بل من ساعة إلى أخرى، وهو ما أطلق عليه الفلاسفة اسم ''التفرد''، يعني الزمن الذي سوف تتطور فيه التكنولوجيا بسرعة جنونية، وتحدث تغيرات جوهرية في المجتمعات البشرية.

18