مجتمعات الواتساب

الجمعة 2014/03/21

أستغرب من الزحام الذي تشهده معارض الكتاب في بعض الدول العربية، ومحل هذه الغرابة هو قياسي السريع للحالة الفكرية المجتمعية التي تؤكد أننا لا نقرأ، وأن الكتاب ليس رفيقًا لنا، بدليل أننا أكثر المجتمعات التي تنتشر فيها الخرافات التي تناقض العقل والعلم، وأكثر المجتمعات التي تعتمد في مصادرها المعلوماتية على الشائعات السيالة عبر وسائط التواصل الحديثة، فهل يُعقل هذا الزحام في معارض للكتاب داخل مجتمعات باتت مصادرها المعلوماتية هي الواتساب؟

وليت الأمر يتوقف على الأخذ من منهل هذه المصادر، بل يتجاوز هذا إلى الإيمان بما يُقال وبما يُكتب ويُنشر في هذه المصادر، ثم العمل على ترويج مثل هذه الشائعات أو الأفكار اللامنطقية، وأقربها إلى ذهني ذلك الفيديو الذي تم نشره ويتضمن صورة لطفل مولود ومشوه برأس مفتوحة، ويتبع هذه الصور سيناريو هزيل عن فتاة رفض والدها تزويجها من الشاب الذي تحبه، فقامت بفتح رأس والدها بحجر حتى فارق الحياة، فتزوجت حبيبها وأنجبت هذا الطفل مفتوح الرأس!

هذا السيناريو الذي لاقى تصديقا وترويجا لفكرته، أعتقد أن أبسط النـاس حتى ممن لا يقرؤون الكتب التي يتزاحم عليها الناس في المعارض، بإمكانه التمحيص لمعرفة غباء هذه الحكاية التي تشبه تلك القصص “الفانتازية” التي كان يرددها رواد الصحوة (فرع الإخوان المسلمـين السعودي) في مجتمعنا للتأثير على الناس، بهدف تغييب عقولهم، كقصة الثعبان الذي يلاحق جنازة وعندما سألوا أهل المتوفي عنه أجابوا أنه كان يؤخر الصلاة، وقصة الفتاة التي اشتعل حاجباها بالنار عند تغسيلها لأنها كانت نامصة، وغير هذا من القصص الخرافية التي عاثت زمنا في مجتمعاتنا، وكانت المحاولات الخجولة للعلم والعقل لها بالمرصاد، مع ذلك وجدت ترويجا كبيرا وصدّقها الناس، وبعضهم ما زال يصدق ما هو على شاكلتها، لأن الناس الذين يتزاحمون على معارض الكتاب، ببساطة، لا يقرؤون ولا يفكرون.

أضف إلى هذا، حالة الانقياد “المرضيّة” التي هي داء ينخر عقول مجتمعاتنا العربية، هذه الحالة تغلغلت لعوامل كثيرة، يأتي أهمها من وجهة نظر شخصية، رزح الفكر الديني المسيّس لعقود من الزمان، وهذا الفكر يحتاج إلى مريدين ومؤيدين ومتفاعلين لا يملكون الأدوات اللازمة للوصول إلى القناعة المبنية على التفكير العقلاني، وما حرب منع الكتاب ومصادرته والخوف منه إلا برهان ودليل على حالة الانقياد المطلوبة لتفعيل هذه الأفكار التي يبثها أصحابها، ويروجها البسطاء بلا وعي.

ومثال آخر نشر “الشائعات” وأغلبها شائعات مسيسة لأهداف غير نبيلة تمس أشخاصا معينين يشكلون خطرا على أصحاب الفكر الديني المسيّس، فيستخدم هؤلاء «الرعاع» لبث شائعاتهم، وعندما تطل في فحوى ومضمون هذه الشائعة تجد أنها بعيدة عن الواقع، بل إن- بعض- من ينشرها لا يعرف أصلا الشخص المراد من هذه الشائعة، مع ذلك، يقوم بدوره ويستمر في نشرها.

الزحام على الكتب يعني مجتمعات تُقدم العقل والمنطق على الخرافة والشائعة، ولا يُمكن أن يتفق لدى الشخص نفسه أن يكون مصدر معلوماته الكتاب والواتساب معا!

كاتبة صحفية سعودية

9