مجتمعات مصر القديمة أكثر حرية من مجتمعات الغرب

السبت 2013/11/02

مرت على مصر فترات عديدة عبر تاريخها العميق الضارب في عمق الزمان عانت فيها من تفكك أواصر الدولة وصراع على السلطة كان يفضي بها دوما إلى فترات من الاضمحلال وتلاشي قوتها الإقليمية ونفوذها في مجالها الحيوي الممتد عبر غرب آسيا حتى حدودها الشرقية، وكان على الدوام مصدر كل المخاطر على استقلالها وسيادتها. يلقي كتاب "الدولة المتوسطة في مصر القديمة" لمؤلفه وولفرام غراغيتسكي بعض الضوء على تلك المرحلة من تاريخ مصر بقدر ما هو متاح حتى الآن من تسجيلات تم اكتشافها.

في كل المراحل التاريخية كانت مصر تتغلب على كبوتها، تطرد الغزاة أو تهضمهم وتتمثلهم أو تمصّرهم، وفي كل الكبوات كانت مصر تنهض من جديد بحيوية تفوق ما كانت عليه، وتمارس دورها التاريخي الذي يهيئه لها وادي النيل، وشعب ينبت من ذلك الوادي ويتعلق به تعلقا عضويا مما كون عراقة لمصر تتفرد بها بين شعوب العالم قديمها وحديثها.


تفكك المركز

يعود تأريخ الدولة المصرية القديمة إلى الفترة الممتدة (من 2700 حتى 2150 ق.م ) أول فترات التأريخ التقليدي لمصر. وسخر الملوك الأوائل للأسرة الرابعة كل موارد الدولة لتشييد الأهرام الكبرى وهم مقيمون في العاصمة «منف» (البدرشين حاليا جنوب القاهرة). ومع مرور الزمن وتغير موازين قوة مركزية الدولة لم تعد كل الموارد تتدفق باتجاه «منف»، وظل ملوك الأسرة الخامسة يشيدون أهراما إلا أنها كانت أصغر كثيرا، كما شيدوا معابد لعبادة إله الشمس "رع" وعبادة الفرعون الجالس على العرش.

بحلول نهاية عصر حكام الأسرة الخامسة انتهى تقليد بناء تلك المعابد، ومع نهاية عصر الأسرة السادسة انتشر بناء المعابد الإقليمية لعبادة حاكم الإقليم مما يدل بوضوح على ازدياد قوة حكام الأقاليم الذي مهد لسقوط الدولة المركزية وبنهاية عصر الدولة القديمة كانت الأقاليم المحلية قد وصلت إلى أوج قوتها واستقلالها عن السلطة المركزية، وانتشرت في أرجاء مصر مقابر غاية في الثراء بمدافن تحتوي على أثاث جنائزي فاره للحكام المحليين، مما أظهر أن أغلب موارد الدولة لم تعد تتدفق باتجاه العاصمة التي تشكل موطن السلطة المركزية. بحلول نهاية الدولة القديمة، كانت مصر قد أصبحت مقسمة إلى عدد من المحليات ذات نفوذ سياسي إقليمي مستقل على رأس كل منها حاكم مستقل أو شبه مستقل عن السلطة المركزية، حدث ذلك بعد انقضاء عصر "بيبي الثاني" الذي دام حكمه طبقا لقوائم الملوك أربعة وستين عاما.

ويطلق العلماء على فترة تفكك أواصر الدولة إلى سلطات محلية مستقلة أو شبه مستقلة اسم "المرحلة الانتقالية الأولى"، أو مرحلة الاضمحلال الأولى، فبعد انهيار السلطة المركزية للدولة القديمة عثر بمدينة «منف» على آثار قليلة لعدد كبير من الملوك غير المعروفين مما دل على اضمحلال الموارد الملكية. كان ملوك «منف» مقبولين شكلا كحكام لكل الدولة، يصدرون الأوامر والمراسيم للحكام المحليين، أما في واقع الأمر فقد كان حكام الأقاليم يحكمون أقاليمهم مستقلين عن السلطة المركزية، أو يدعون ذلك فيما تركوه من تسجيلات. أشهر مثال على ذلك الحاكم "عنخ تيفي" الذي ترك مدفنا مزينا بسخاء في معبد في منطقة المعلا في صعيد مصر سجل فيه قيامه بغزو الأقاليم المصرية المجاورة وهيمنته عليها وهو ما لم يكن أبدا ليحدث إلا في ظل انهيار كلي للسلطة المركزية.

ملوك طيبة

في إطار علم الآثار هناك عدة مدافن يرجع تاريخها إلى المرحلة الانتقالية الأولى، تقدم رؤية تفصيلية لثقافة تلك المرحلة وحضارتها، وإجمالا، فإن تلك المقابر تخلق انطباعا يوحي بأن إقليم "أهناسيا هيراكليوبوليس "– محافظة أسيوط حاليا- كان على درجة كبيرة من الثراء إبان المرحلة الانتقالية الأولى، ففي الوقت الذي لم يعثر فيه على آثار ملكية أو قطع أثرية كبيرة، عثر على آثار شخصية صغيرة بوفرة.

هناك ثلاث مقابر تحمل جدرانها سيرا ذاتية، أقدم تلك المقابر تخص "خيتي الأول" ولا تذكر تلك السيرة أي صراع ضد ملوك طيبة "الأقصر حاليا"، غير أن مقبرتي "إتي إب" و"خيتي الثاني" تذكران شيئا من ذلك الصراع الذي نشب بين حكام أهناسيا وحكام طيبة.

وجاء التوحيد السياسي لمصر مع نهاية المرحلة الانتقالية الأولى على يد ملوك الجنوب في طيبة. كانت طيبة خلال المرحلة الانتقالية الأولى عاصمة مملكة إقليمية صغيرة سعت بعد استقلال دام مئة عام إلى توحيد مصر تحت حكم ملك واحد.

ويبدأ عصر الدولة المتوسطة في مصر القديمة بملوك الأسرة الحادية عشرة الذين وحدوا الدولة من جديد بعد حروب دامية استطاعوا فيها أن يخضعوا باقي المقاطعات تحت حكمهم وانتقل مركز الحكم الجديد إلى طيبة واكتمل توحيد كل المقاطعات على يد "منتوحتب الثاني" "2008 -1957 قبل الميلاد" وكان أول من صور نفسه على الجداريات قابضا على النباتين: نبات اللوتس ونبات البردي رمزي مصر العليا والدنيا، كما بدأ يبسط نفوذ مصر خارج الحدود بحملات عسكرية قادها على جنوب فلسطين، وتبدت دلالات الصحوة التي عمت أرجاء الامبراطورية المصرية في مشاريع الإعمار الهائلة في كثير من المواقع بصعيد مصر أشهرها في "دندرة"، و"أبيدوس"، و"دير البلاص".

توهج فنيّ

من الواضح أن "منتوحتب الثاني" قد أعاد هيكلة جهاز الإدارة الملكي في جميع أنحاء الدولة، كما أعاد تنظيم منح الألقاب ومراتب الشرف ومسميات الوظائف الدالة على مرتبة كل موظف وموضعه ممن يعلونه وممن يلونه في التراتب الوظيفي، وانتقل الأكفاء من الموظفين من الشمال لخدمة الملك في الجنوب، كما انحدر فنانو ومعماريو «منف» "العاصمة القديمة" إلى الجنوب لتنفيذ مشاريع الملك الإعمارية.

بتحقيق وحدة شطري الدولة، الوجه البحري والصعيد، تلقى الإنتاج الفني زخما جديدا، وفي مضمار الإنتاج الفني المادي ظهرت أنماط فنية جديدة ومختلفة كما رصدت تغيرات فنية على المستوى المحلي للأقاليم في جميع أنحاء مصر، وتبدو الرسوم الجدارية البارزة شديدة الوضوح والإتقان مقارنة بالرسوم والنقوش الجدارية في عصر الدولة القديمة مما أضفى على التصوير الجداري مظهرا أشد تأثيرا على المشاهد.

بانتهاء عصر الأسرة الـ11 إثر صراعات لم يتم التوصل لتفاصيلها حتى الآن بدأ عصر الأسرة الـ12 وأعاد الملك "أمنمحات الأول" الأمن للبلاد بعد الصراعات التي أنهت حكم الأسرة الحادية عشر. ومن الواضح أن أبويه لم يكونا من أصول ملكية. الحدث الرئيس الأعظم الذي ينسب لـ"أمنمحات الأول" نقله لمقر الحكم من طيبة إلى "ليشت" في الشمال بالقرب من الفيوم الحالية وهو الموضع الذي بنى فيه هرمه وأطلق على الحاضرة الجديدة اسم "از تاوي أمنمحات"، أي أمنمحات المهيمن على الأرضين والمقصود بالأرضين الوجهين، القبلي والبحري، وهي حاضرة لا تبعد كثيرا عن عاصمة الدولة المصرية القديمة في «منف»..

نبوءة نفرتي

من المبتكرات السياسية لـ"أمنمحات الأول" التي أدخلها على نظام الحكم، وجود حاكم مشارك له هو ابنه وولي عهده سنوسرت الأول. كان الملك المسن قد اختار من يخلفه وجعله يحكم إلى جانبه بصلاحيات كاملة. وتعد تعاليم "أمنمحات الأول" لابنه "سنوسرت الأول" من النصوص الأدبية التي رسخت مبدأ الحكم المشترك، ويبرر النص ذلك التوجه، وفيه يعلمه كيفية التعامل مع رعيته، فما واجهه أمنمحات من عصيان وتمرد ومؤامرات كان يجعله ينام على الدوام مفتوح العينين. يقول لابنه سنوسرت في تلك التعاليم: "احترس من ضعاف الشخصية، فقد لا تشعر بتآمرهم عليك. لا تثق حتى بأخيك، ولا تتخذ أصدقاء، لا تصنع علاقة حميمة مع أحد، فتلك العلاقات لا قيمة لها حين تأوي لمخدعك لتنام".

بمصطلحات ومفاهيم الحضارة المادية، بدأت فنون الدولة المتوسطة في التطور في عهد سنوسرت الأول، وقد تكون برامج التشييد والإعمار المكثف سببا في ذلك، فقد انتشر الحرفيون المهرة من المقر الملكي ليعملوا في جميع أنحاء مصر. من الملامح المميزة أيضا لعصر سنوسرت الأول ذلك الإنتاج الأدبي المتميز، فإلى حد كبير، لا توجد أعمال أدبية تنتمي لعصر الدولة القديمة، فكل النصوص التي عثر عليها من عصر الدولة القديمة إما دينية أو سير ذاتية مدونة على جدران غرف الأهرامات أوالهياكل الجنائزية. من النصوص الأدبية الشهيرة تعاليم أمنمحات ونبوءة نفرتي، أما أشهر قصة مصرية فهي قصة "سنوهي" ويعتقد أنها كتبت في عهد سنوسرت الأول أو بعده بقليل، ومنها نعرف أن سنوهي وهو أحد كبار رجال القصر الملكي كان متورطا في الأحداث التي أدت إلى موت أمنمحات الأول، ولخوفه من أن يتهم بالتسبب في موت الملك فر إلى فلسطين حيث خاض هناك مغامرات كثيرة حتى استدعاه سنوسرت الأول وأمره بالعودة إلى مصر بعد أن تيقن من براءته، وقد عرفت تلك القصة من خلال نسخ عديدة وكانت دون أدنى شك من القصص الشعبي المتداول في عصر الدولة المتوسطة.

17