مجتمع المخاطر والمخاوف

الثلاثاء 2014/07/15

اللحظة الراهنة التي يعيشها العالم العربي هي لحظة الصراعات العنيفة التي قد تؤدي إلى انهيار الدولة الوطنية والعودة إلى نظام الإمارات الصغيرة والدويلات ذات التوجهات الطائفية والمذهبية، وهي صراعات تغذيها الامبريالية العالمية والصهيونية للسيطرة على مصير العرب والمسلمين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتطوير الجهل وتثبيت التخلف في ربوعه.

لذلك مكنت الامبريالية القوى المذهبية والطائفية من امتلاك قدرات وعتاد وإمكانات مالية قد تفوق أحيانا قدرات الدول التي تقع فيها هذه الصراعات حتى تنهار الدولة الوطنية بانهيار أمنها واقتصادها وهروب مخزونها المالي وأدمغتها ليعود العالم العربي بأكمله، حسب ما صرح به محلل استراتيجي ورجل سياسي أميركي إلى القرون الوسطى. فتفجير الحروب الأهلية وتحركات الجماعات الإرهابية وظهور النزعات الانفصالية كلها تهدف إلى إضعاف العالم العربي وإدخاله في دوامة العنف المستمر.

زد على ذلك التقتيل اليومي للفلسطينيين أطفالا ونساء وشيوخا والذي دأبت عليه إسرائيل منذ سنوات دون هوادة، بحيث أن دماء العرب والمسلمين أصبحت مهدورة في كل مكان في سوريا والعراق وفلسطين وليبيا واليمن وغيرها. لكل ذلك يصح التعبير عن هذه المجتمعات بكونها “مجتمعات المخاطر والمخاوف” وهي تسمية أطلقها في الحقيقة المفكر الألماني أولريش بك لينعت مجتمعاتنا كلها غربا وشرقا لكثرة المصائب والمشاكل والعنف فيها نتيجة التطورات التكنولوجية في الفترة المعاصرة.

ليس ثمة شك أن الخوف يكون عادة وفي جل الأنظمة السياسية حالة ضرورية لممارسة الحكم التي تتطلب الخضوع للقوانين والخوف من العقاب.

وكلنا يعرف أن نجاح سيادة الدولة يقاس بمدى خضوع شعبها إلى القوانين التي قد ساهم في وضعها وإلى مؤسساتها وذلك عن وعي ودراية وقناعة، فلا يمكن لأي دولة أن تستغني عن جدلية العقاب والخضوع والحوار والتشارك. ولعل الدولة المهابة هي التي تطبق تلك القوانين بالعدل والصرامة دون تهاون حتى تجعل الخوف دائم الحضور يعمل اجتماعيا لتفادي الخروقات الممكنة للقانون.

ولكن حضور السلطة يكون خفيا وملموسا في الآن نفسه، لأنه نسيج كل حقل اجتماعي نعترضه داخل العلاقات التي تربط العائلة وفي العلاقات الجنسية والعمرانية، كما نجده في المدرسة والعمل والإدارة والورشة وغيرها من حقول العلاقات البشرية والاجتماعية.

فحضور السلطة متنوع ومتعدد، لأننا لا نجدها داخل مجموع مؤسسات وأجهزة تتحكم في المجتمع فقط، بل نجدها أيضا متشابكة داخل النسيج الاجتماعي نفسه، كما أكد على ذلك الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو. يعني أن السلطة ممارسة قبل أن تكون جهازا أو مؤسسات، لهذا فهي تأخذ أساسا شكل الصراع الآني والمستمر في آنيته، والصراع الآني ينتج حتما أجهزة قمع وعقلنة تحاول السيطرة على هذه الصراعات فتقنن أشكالها ونمط العمل داخلها، وهي تقوم على الإخضاع والخضوع والقمع والسيطرة والتخويف. والدولة نتيجة للسلطة لأنها تقنن الصراع الآني وتشرع القمع وتحتكره.

لقد توسعنا نوعا ما في تحديد مفاهيم الحكم والسلطة والدولة، لنبين في الأخير أن الخوف لدى جماهير الشعب ضرورة ملحة تمليها ضرورة الدولة نفسها، فمتى غاب الخوف غابت سلطة الدولة، ونحن الآن في تونس وفي بلدان “الربيع العربي” بعد أن خرجت الجماهير للشارع معبرة عن نزعها الخوف من الدكتاتور أصبحت الحكومات تجد صعوبة كبيرة لبسط سيطرتها، وقد تحدثت الخمس حكومات المتتالية في تونس بعد الثورة عن هيبة الدولة عندما لاحظت ضعف الخوف عند عامة الناس.

والحقيقة أن الخوف إذا لم يكن أيضا مقننا وفي حدود ما تفرضه القوانين العامة فإنه سيتحول إلى رعب والرعب الشديد يؤدي حتما إلى التمرد.

فالديمقراطيات الحقيقية هي التي تقنن الخوف بمعنى أن هذا الخوف لن يكون إلا من خلال القانون الذي يتم تطبيقه بالعدل الكامل، بينما يضيف النظام الدكتاتوري إلى الخوف القانوني الترهيب والرعب عن طريق استعمال العنف الشديد، دون إخضاعه إلى منظومة القوانين، وأحيـانا دون موجب.

وفي واقع الأمر استعمال العنف قد أصبح اليوم قضية الساعة لأن التقدم العلمي الهائل أعطى لهذا الاستعمال صبغة درامية ومأساوية، إذ لم تعد الدولة وحدها تملك القدرة التكنولوجية على ممارسة العنف الشديد، بل أصبحت الجماعات المسلحة ذات التوجه الديني أو المذهبي أو المافوي تمتلك هي أيضا تقريبا نفس القدرة على العنف، بل قد يكون هذا العنف أقوى باعتباره لا يخضع لأي قانون ولأي قاعدة أخلاقية، حتى أن عالم الاجتماع الألماني أولريش بك المذكور أعلاه نعت المجتمعات الحالية بمجتمعات المخاطر وذلك من قناعات أولية تتمثل في أن اللحظة الراهنة هي انقطاع جذري في مسار الحداثة التي أصبح فيها التقدم العلمي غير إنساني أحيانا.

ثم إن مفهوم الخطر قد أصبح ظاهرة اجتماعية مسيطرة مثل خطر التلوث وخطر الفقر وأخطار الطريق وأخطار الأمراض الجديدة والمتجددة وأخطار الصناعات الكيماوية والذرية وأخطار الجماعات المسلحة والإرهاب وغيرها. كذلك مصير الإنسان اقترب من التوحد بمعنى أن العالم الذي أصبح “قرية” في منظور العولمة، أصبح بكامله عرضة للخطر بحيث إذا ما داهم الخطر جزءا منه أصبحت كل المجتمعات تقريبا في خطر.

ولعلنا نعيش الآن تغيرا جذريا في البنية المجتمعية المعاصرة في الغرب والشرق تجعل المجتمع يدخل غياهب المخاطر والخوف والرهبة، وأن الحوكمة الرشيدة هي التي تخفف على مجتمعها مستتبعات الخطر والخوف ويدخل ضمن ذلك مقاومة الإرهاب والجريمة وكل مظاهر العنف غير المقنن بما في ذلك الفساد والتلوث.

ومهما يكن من أمر فلابد من دراسة سمات مجتمع المخاطر والمخاوف وعنفه وإرهابه ومنظومة قيمه في المجتمعات الغربية التي تفرط في الفردانية والأنانية، بحيث ستتراجع هويات الحداثة بعد أن تراجعت هويات العائلة والعشيرة والقبيلة.

ونعني بهويات الحداثة التجمعات العمالية مثلا أو جمعيات أصحاب العمل أو الفئات المهنية والطبقات وغيرها وسيصبح عندئذ الفرد حرا في ذاته ولذاته دون مرجعية ميتافيزيقية أو وضعية معيارية وهي حرية مطلقة لا تساعد على مقاومة المخاطر والمخاوف حيث أن الفرد لم يعد يستطيع الاحتماء بالعائلة أو العشيرة أو بهويات الحداثة كالجماعة المهنية، ولن يستطيع وحده السيطرة على تلك المخاطر، لذلك بدأ الفلاسفة في الغرب يتحدثون عن مفهوم التآزر الذي يجب تطويره لإعادة بناء العلاقات البشرية.

أما في مجتمعاتنا العربية والإسلامية فإن المخاطر تضاعفت لأننا نعيش في الآن وحشة التكنولوجيا التي لا نملك كل معطياتها ووحشية الانتماء الهووي للطائفة والمذهب أو للقبيلة والعرش.


كاتب ومفكر تونسي

9