مجتمع ما بعد المسيحية: الدين يحتضر في أوروبا

تراجع دور الكنيسة لصالح التفسيرات العلمية لأسرار الكون، والتوجهات اللادينية ظاهرة عامة تمتد من العالم الغربي إلى الإسلامي.
الجمعة 2018/03/23
يسبحون عكس التيار

لندن - توصلت مجموعة من الدراسات حول المسيحية في بريطانيا إلى أن 48.6  بالمئة من سكان بريطانيا هم “دون ديانة”، بينما انخفضت نسبة المسيحيين إلى 43 بالمئة بعدما كانت ديانة أكثر من نصف السكان بين عامي 1983 و2015.

وأرجع أستاذ اللاهوت وعلم الاجتماع الديني في جامعة سانت ماري ستيفن بوليفانت سبب ارتفاع من يعرفون أنفسهم بأنهم بلا ديانة تعود للتاريخ الديني البريطاني، لافتا إلى أن الأشخاص الذين يعرفون أنفسهم على أنهم غير متدينين هم عادة من الشباب وذوي البشرة البيضاء والذكور أكثر من النساء.

ولم تعد المسيحية ديانة الأغلبيّة في بريطانيا، بل أصبح اللادين هو السائد ضمن طريق تسير فيه أوروبا بشكل عام، والعالم الغربي، حيث بدأت تتفسّخ الملاح التقليدية للتدين في المجتمع البريطاني والأوروبي، وهو انحسار تعزيه دراسات حديثة إلى انتشار اللادين في صفوف البريطانيين والأوروبيين، وفي الغرب المسيحي عموما، مشيرة إلى أن الأمر المتعلق بإيمان الشباب الغربي وتوجهاته وحصره في ارتفاع أعداد المسلمين في الغرب، يعد مغالطة كبرى.

وهيمنت المسيحية على الحياة السياسية والاجتماعية في المملكة المتحدة لقرون طويلة. وتعد كنيسة إنكلترا الكنيسة الرسمية، وتترأسها الملكة إليزابيث، في تقليد يعود إلى القرن السادس عشر مع انفصال كنيسة إنكلترا عن الكنيسة الكاثوليكية وتحولها إلى البروتستانتية في عهد الملك هنري الثامن.

لكن منذ الثورة الصناعية، في بدايات القرن الثامن عشر، بدأت بريطانيا، وأوروبا عموما، تتخلى عن الدين، تدريجيا، لتصل اليوم الشعوب الأوروبية إلى مرحلة الحديث عن انحسار المسيحية في القارة الأوروبية. وكشفت صحيفة الغارديان أن غالبية الشباب في أكثر من عشر دول أوروبية لا يتبعون دينا بعينه، ما يفسر مسيرة القارة الأوروبية بشكل واضح نحو مجتمع ما بعد المسيحية.

وذكرت معدة التقرير هارييت شيروود أن الانتماء الديني آخذ في الانخفاض في أوروبا، مشيرة إلى أن 70 بالمئة من الشباب في بريطانيا يقرون بأنهم غير متدينين.

بريطانيا لم تعد مسيحية

Thumbnail

لا يعد تقرير الغارديان، الصادر في عدد 21 مارس 2018، الأول من نوعه، حيث تتابع الصحافة البريطانية منذ سنوات هذا الموضوع. وسبق ونشرت الغارديان في 2016، خلاصة نشرت دراسة أجريت في المملكة المتحدة عن معدلات التدين.

وأشارت الدراسة إلى أن فئة بلا دين أصبحت الفئة الأكبر في بريطانيا بلا منازع، وأن أكثر من نصف عدد السكان البالغين يعرف نفسه على أنه بلا دين، أي تعداد أكبر من ضعف السكان من البروتستانت وأربعة أضعاف من الكاثوليك.

وفي تقرير آخر، قالت صحيفة التلغراف، إن “بريطانيا لم تعد دولة مسيحية ويجب التوقف عن التصرف بناء على هذا الأساس”.

وقالت التلغراف، نقلا عن دراسة حول مكانة الدين في المجتمع الحديث يعود تاريخها إلى سنة 2015، إن اللجنة التي أشرفت على هذه الدراسة، برئاسة القاضية السابقة البارونة بتلر سلوس ومجموعة من القادة الدينيين، طالبت “بإزالة الصبغة المسيحية عن الحياة العامة في بريطانيا بشكل ممنهج”.

وكشف استطلاع أجرته جامعة لانكستر حول المسيحية والتوجهات الدينية الجديدة، أن نحو 50 بالمئة من السكان الأصليين في المملكة المتحدة لا يعدون أنفسهم مسيحيين، وأن 46 بالمئة من البالغين لا يدينون بأي دين.

وكانت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث في عام 2015، قالت إنه من المتوقع أن يتراجع عدد سكان أوروبا المسيحيين بنحو 100 مليون شخص خلال العقود القادمة.

وأشارت إلى أن المسيحيين سيبقون المجموعة الدينية الأكبر في أوروبا، فيما سيشكل المسلمون 10 بالمئة من سكان القارة بحلول عام 2050، مقابل نسبة 5.9 بالمئة كانت في العام 2010.

ويقول ستيفن بولفانت، أستاذ علم اللاهوت وعلوم الدين في جامعة سانت ماري في لندن، “الدين يحتضر. فباستثناء البعض، لا يعتنق معظم الشباب الآن دينا بعينه”. وأضاف “لم يعد الدين المسيحي السمة المميزة لأوروبا، لقد ذهب الدين إلى الأبد، وأعتقد أنه لن يعود على الأقل خلال المئة سنة المقبلة”.

وبنى بولفانت استنتاجاته، التي جاءت ضمن دراسة أشرف عليها حول “الشباب والدين في أوروبا”، على ما جاءت به الإحصائيات إلى بيانات استطلاع الرأي الاجتماعي الأوروبي 2016-2014.

وركز الاستطلاع أساسا على فئة الشباب بين 16 و29 عاما ليظهر أن الجمهورية التشيكية هي أقل دولة متدينة في أوروبا، حيث يقول 91 بالمئة من هذه الفئة العمرية إنهم ليس لهم أي انتماء ديني، بينما يصنف 70 و80 بالمئة من الشباب في إستونيا والسويد وهولندا أنفسهم على أنهم لا يعتنقون دينا بعينه.

وتعتبر بولندا الدولة الأكثر تدينا، حيث الشباب غير المؤمنين بدين معين يمثلون فقط 17 بالمئة، تليها ليتوانيا بنسبة 25 بالمئة. وفي المملكة المتحدة، تبلغ نسبة الأنجليكان بين الشباب حوالي 7 بالمئة فقط، بينما يبلغ عدد الكاثوليك حوالي 10 بالمئة فقط.

ويقول بوليفانت “تتجه الدول الأوروبية الآن نحو ‘اللادين’، والقليل من المتدينين يرون أنفسهم يسبحون ضد التيار. وفي غضون 20 أو 30 سنة المقبلة، ستصبح الكنائس أصغر حجما، لكنها لن تخلو من القليلين من الملتزمين بممارسة شعائر دينهم”.

الدول الأوروبية تتجه نحو "اللادين"، والقليل من المتدينين يرون أنفسهم يسبحون ضد التيار. وفي غضون الـ20 أو الـ30 سنة المقبلة ستصبح الكنائس أصغر حجما، لكنها لن تخلو من القليل من الملتزمين بممارسة شعائر دينهم

تشهد أيرلندا، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، انحسارا كبيرا في ممارسة شعائر الدين “لكن بالمقارنة مع أي دولة أخرى في غرب أوروبا، مازلت أيرلندا تحتل مرتبة مرتفعة”.

ويقول بولفانت “الدول المجاورة لبعضها البعض، وتحظى بنفس الخلفيات والتاريخ الثقافي، تحوي العديد من الديانات”، حيث أن بولندا وليتوانيا، وهما الدولتان الأكثر تدينا، وكذلك جمهورية التشيك وإستونيا، وهما الدولتان الأقل تدينا، هي دول ما بعد الشيوعية.

كما تكرّر اتجاه الانتماء الديني عندما سُئل الشباب عن ممارستهم لشعائر دينهم. ففي بولندا والبرتغال وأيرلندا، قال أكثر من 10 بالمئة من الشباب إنهم يحضرون القداس مرة واحدة على الأقل في الأسبوع.

وفي جمهورية التشيك، قال 70 بالمئة إنهم لم يذهبوا قطّ إلى الكنيسة أو إلى أي مكان آخر لممارسة طقوس العبادة، وقال 80 بالمئة إنهم لا يصلون أبدا. وفي المملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا، قال 56 بالمئة إلى 60 بالمئة من الشباب إنهم لا يذهبون إلى الكنيسة، بينما قال 63 بالمئة إلى 66 بالمئة إنهم لا يصلون أبدا.

ومن بين الشباب الكاثوليك، كان هناك تباين كبير في مستويات الالتزام بممارسة طقوس الدين. فعلى الرغم من أن حوالي 80 بالمئة من الشباب البولنديين يقولون إنهم كاثوليك، إلا أن نصف هذا العدد فقط يحضرون القداس في الكنيسة على الأقل مرة واحدة في الأسبوع. وفي ليتوانيا، يقول 70 بالمئة من الشباب إنهم كاثوليك، إلا أن حوالي 5 بالمئة منهم فقط يذهبون إلى الكنيسة بشكل أسبوعي.

وتدعو هذه الأرقام إلى التساؤل، خصوصا وأن الدراسات تكشف أن التوجهات اللادينية في صفوف الشباب هي ظاهرة عامة تمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة وحتى العالم الإسلامي.

أسباب انتشار اللادين

عن أسباب تراجع التدين في صفوف الشباب الغربي، يقول بوليفانت إن العديد من الأطفال الأوروبيين “سيتم تعميدهم، ومن ثم لا يزورون الكنائس مرة أخرى في حياتهم. الأمر ببساطة هو غياب دور الوالدين في نقل الهويات الدينية الثقافية من خلالهم إلى أبنائهم”.

وإلى جانب البعد الاجتماعي التربوي، هناك أسباب أخرى تفسر “فتور” تعلّق المسيحيين بدينهم، حسب تعبير الكاردينال النمساوي كريستوف شونبورن، الذي قال إن أوروبا “قد تفقد إرثها” المسيحي بسبب تراجع الحماسة الدينية لدى المسيحيين في أوروبا.

ويأتي الحديث عن ارتفاع عدد المسلمين في أوروبا، على رأس أسباب تراجع المسيحيين، حيث يقول لبوليفانت إن الشباب المسلمون، البالغ عددهم 6 بالمئة، هم على وشك أن تتجاوز أعدادهم أولئك الذين يعتبرون أنفسهم جزءا من كنيسة الدولة.

ويشير تقرير الغادريان إلى أن النسب الخاصة بالمملكة المتحدة جزئيا نتجت بسبب أعداد المهاجرين المتزايدة “حيث أن واحدا من كل خمسة كاثوليك في المملكة المتحدة لم يولد على أرضها. كما أن معدلات مواليد المسلمين تعتبر الأعلى عموما من معدل النمو السكاني في بريطانيا، بالإضافة إلى أنهم يمتلكون التزاما أعلى بممارسة طقوسهم الدينية”.

وفي المقابل، تتخذ تفسيرات أخرى أبعادا أكثر موضوعية بحديثها عن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة وما حملته من تطورات علمية وتكنولوجية. ويقول أصحاب التوجه إن أوروبا بدأت في التخلي مع الثورات الصناعية وما رافقها من ثورات في مجال العلوم.

ومع اكتشاف الأوروبيين لأركان العالم وعلومه بدأت الحاجة إلى الدين في تفسير العالم وظواهره بالتراجع، وتدريجيا بدأ العلم في تلبية تلك الحاجة بشكل أدى إلى تراجع الاهتمام بتفسيرات الكنيسة. وسجلت الموجة الأولى مع صعود صيت السير البريطاني إسحاق نيوتن الذي يعد الأب الروحي لمسيرة الغرب للتخلي عن الدين.

ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، وصولا إلى ما تحمله اليوم الثورة الصناعية الرابعة من تقدم علمي وتكنولوجي وتفسيرات للكثير من الأسئلة الكونية، وقد هزّت بعض الاكتشافات الثوابت لدى عدد وافر من الشباب، الأمر الذي يفسر النجاح الباهر الذي تحققه مؤلفات على غرار روايات دان براون، والتي حمل أحدثها عنوان “أصل”، وفيها يثير الكاتب أزمة جديدة من خلال حديثه عن فكرة أن الحياة يمكن أن تنشأ باستخدام قوانين العلم، وهي فكرة بدأت تلقى رواجا في صفوف عدد من الفيزيائيين المعاصرين المؤثرين، ومنهم العالم الراحل مؤخرا ستيفن هوكينغ.

إقرأ أيضاً: "مريم المجدلية".. صورة جديدة للشخصية الإنجيلية

12