مجدي العفيفي يفتح الصندوق الأسود لأنيس منصور

بين الحركة والقابلية، أو الزمان والمكان، تظهر الحادثة. منها ما يمضي بددا إلى العفاء، لتفاهته أو رتابته، أو لضآلة عنصر التفاعل فيه. وآخر يدخل التاريخ، إشارة إلى عظمة مصدره أو ضخامة أثره، ويصبح مصدرا لكل خبر أو قصة أو أي متجدد من حديث الناس. وثالث يتميز بما فيه من عنصر الخارق، ونكهة البطولة، وظهور أثر التفاعل العنيف أو الخصيب، أو الأخلاقي في ملامحه. الرابع ما يبتدعه فنان منطلقا من الواقع، أو محلقا في أجواء الخيال، أو مازجا بين الراهن والسابق أو المفترض والواقعي، ومن هذا الأفق يصدر العطاء السردي.
السبت 2016/01/23
لا ظل إلا الذي ترك في الذاكرة (لوحة للفنانة الكردية روناق عزيز)

عندما تقع الحادثة ويراها الفنان، يحاول تجسيدها لتخليدها، شأن كل ذي موهبة ليضيف المثل أو الأكمل إلى الناقص. وفي سبيل ذلك يسلك سبلا عدة بأساليب مختلفة، قد تنتسب إلى ما سمي بالمدارس، أو تستقل، أو تتصل بجانب، وتتباين بآخر. هكذا يمكن اختصار التعريف بنوع كتاب “آخر 200 يوم مع أنيس منصور”، الصادر عن دار “الكتب للنشر والتوزيع” للباحث مجدي العفيفي، ولو لم يكن لهذا المنجز من حظ للكتابة عنه سوى أنه عن أنيس منصور، لكفاه. وثمة ما يجب توضيحه بدءا عن هذا النوع من الكتب؛ السير والمذكرات والمراجعات.

مذكرات واعترافات

هذا النوع من الكتب لا يكتب له مكان في صفحات التاريخ إلا حين يضاف إليه، أو يتحدث، عن عنصر المنعطفات السياسية في حياة المؤلف، كما أن قيمته تنعدم أحيانا كثيرة إذا خلا من هذا العنصر، ومن أهم السير الروائية والمذكرات العربية التي يمكن ذكرها في هذا الصدد السيرة الروائية “الخبز الحافي” لمحمد شكري في حديثه عن اليوم المشؤوم في تاريخ المغرب وهو يوم الانتداب الفرنسي، وكتاب “كم بدت السماء قريبة” لبتول الخضيري وتذكر فيه حرب إيران والعراق، وغيرهما الكثير، ومع ذلك فالنمط العربي في كتابة المذكرات يختلف تماما عن النمط الغربي، فالنمط العربي يلتزم بقيود صارمة من العادات والتقاليد خلاف النمط الغربي الذي لا يلتزم بشيء، وهناك من جمع بين النمطين كحسين البرغوثي في “الضوء الأزرق”.

ولعل أكثر من كتب في هذا الجنس من أجناس التأليف هم أصحاب المناصب السياسية والقادة العسكريون الذين خاضوا في أيام ممارساتهم الوظيفية تجارب كثيرة وحروبا في أغلب الأحيان مثلوا فيها أدوارا هامة فأصبحوا في ما بعد صناديق سوداء لتلك المراحل والفترات والمنعطفات التاريخية والسياسية، ومن ذلك مجموعة من المذكرات لقادة عسكريين شاركوا في ثورات محلية وخارجية كأولئك الذين شاركوا في أيام عبدالناصر في ثورة سنة 1962 باليمن، وسواهم كثير.

إن المثير جدا والدافع لكتابة هذه القراءة عن كتاب “آخر 200 يوم مع أنيس منصور” هو أن الكتاب يتحدث عن أديب وكاتب وأحيانا -كما يأتي في هذا الكتاب أو “الصندوق الأسود”- عن سياسي ودبلوماسي ابتعثته القيادات السياسية لتمثيل دور هام في قضايا قومية لا أحد يعرف تفاصيلها ومواقفها غيره، وكذلك هذا التلميذ الوفي لمعلمه مجدي العفيفي.

النمط العربي في كتابة المذكرات يلتزم بقيود صارمة من العادات والتقاليد، خلاف النمط الغربي

لقد كان مجدي العفيفي محظوظا جدا إذ عاش آخر 200 يوم ملازما للموسوعي أنيس منصور صاحب المئتي مؤلف، وكان أكثر حظا بحصوله ومعرفته لهذا الكم من الأسرار التي نجدها في كتابه عن حياة أنيس منصور.

لقد كان أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ عنوان هذا الكتاب “آخر 200 يوم مع أنيس منصور” تلك الأعمال العظيمة في عوالم الفن “العشاء الأخير” و“كلمات سبارتاكوس الأخيرة” لأنه فعلا كتاب عظيم يجمع بين الواقعية والحقيقة والفن وأقول ذلك لأن الفن يكذب دائما ليقول الحقيقة أما أن تجد فنا يقول الحقيقة ويلتزم بالواقعية فهذا هو الإدهاش في حدّ ذاته.

ينطوي الكتاب كما يظهر من غلافه على ثلاثة تصنيفات: مذكرات ومراجعات واعترافات، جاءت في 550 صفحة فيها سبعة فصول، الأول تقاسيم على قيثارة أنيس منصور، والثاني مذكرات أنيس منصور السياسية في “مشواري السري بين القاهرة وتل أبيب: مهام سياسية مباشرة”، والثالث في مذكراته العاطفية الخاصة “حكيت وبكيت” كان يحكي كثيرا.. ويبكي أكثر، والرابع: مذكراته الصحفية في “بلاط صاحبة الجلالة كانت لهم أيام”، والفصل الخامس “نبوءات.. واعترافات ومكاشفات، من خلال الأحاديث الأخيرة معه..” والسادس “نحن أولاد أنيس منصور”، والفصل السابع: صورة نادرة من الصندوق الأسود.

الكتاب ينطوي على ثلاثة تصنيفات: مذكرات ومراجعات واعترافات

تقليد أكين

إن هذا الكتاب يذكرنا بتقليد تلتزمه القبائل في أفريقيا، يسمى تقليد “أكين” وسيرة القبيلة بل ووجودها مرهون بشخصية أكين وهذا التقليد.. تقليد أكين عليه أن يحكي دائما تاريخ القبيلة وأمجادها وسيرتها منذ البداية. وعندما يشعر أكين هذه الشخصية المختارة التي تحكي بكبره وقرب فنائه عليه أن يورث كل ما كان يحكيه عن القبيلة وتاريخها وحاضرها وأمجادها لأكين آخر. ولعل هذا الوصف ينطبق على أنيس منصور وكاتب الكتاب مجدي العفيفي.

أكثر من ذلك إن العرب قديما، كانت تسمي الشيخ الكبير بالشيخ الكنتي (مِن كنتُ) لأنه يحكي قصصه، يحكي كثيرا، يحكي أكثر من الذي لا يجد ما يحكي لأنه لا يزال في دوامة الأحداث. ويحكي أكثر ليعيد بناء هوية قوامها صنع الحدث، لكنها اليوم بعيدة عن تلك الفاعلية.

تمارس الذوات المفردة حكاياتها لتعلن عن وجودها “أنا أحكي إذن أنا موجود”، فوجودها دون الحكي يعني الوجود غير المبين. اللغة داخل خطاب السرد هي من يهبنا صورة بنيوية، وإلا فنحن حكايات مشتتة؛ حكايات لا هوية لها، ولا تأخذ هويتها إلا بالسرد. لماذا تموت حكايات عظيمة وتفقد وجودها؟ لأنها ببساطة لا تحكى.

هكذا يرتبط الحكي بالجماعة كما يرتبط بالفرد. أيّ جماعة تحكي لتشكل هويتها، تحكي لتكون، وفي عوالم أقطاب الدراسات الثقافية فإن الحكي هو الأمة، وكل حكي يشمل مجموعة قصص وصورا ومشاهد وسيناريوهات وحوادث تاريخية ورموزا وطقوسا قومية ترمز إلى التجارب المشتركة أو تمثلها والمآسي والانتصارات والويلات التي تضفي على الأمة معنى. وإذا كان الأمر كذلك، فالأمة تحكي لتعيد تشكيل ذاتها؛ لترسم معالم هويتها؛ لماذا يحكي السود رحلة العذاب والعبودية بين أفريقيـا والعـالم الجـديد؟ ولماذا يحكي اليهود الشتات؟ ولماذا يحكي العرب سيرة أجدادهم في هذا الزمن بالذات؟ وحتما نجد إجابة كافية لهذه التساؤلات وندرك أكثر من ذلك قيمة هذا الكتاب ونحن نقرأ هذا السِفر الأخير من حياة أنيس منصور.

16