مجدي نجيب: أراهن على البراءة بألوان قوس قزح

تجربة الفنان والشاعر المصري التشكيلية معادل بصري لقصائده وأغنياته، و"أساطير" متنفس للفن يمتلك الفنان مفاتيحه وأسراره.
الأحد 2018/11/25
جانب من معرض "أساطير" للفنان مجدي نجيب

في معرضه التشكيلي "أساطير"، المنعقد حاليا بالقاهرة، يتشبث الفنان والشاعر المخضرم مجدي نجيب بالحب في زمن الحرب، معلنا استمراره في مواجهة جنون العالم وقبح الواقع بالتفاؤل والبهجة والبكارة والروح الطفولية، بعد تخطيه الثمانين من عمره. مثلما أن الكلمات الشعرية بإمكانها أن تختزن بين طياتها صورا متفجرة، ظاهرة وخفية، فإن اللوحات قد تغدو قصائد بانسيابية خطوطها وسيولة ألوانها وفيض منمنماتها الزاهية. وحينما يجمع الفنان بين امتلاك ضربات الفرشاة ومفردات القلم معا، فإن الذي يرسم هو الشاعر، والذي يكتب هو الرسام. هكذا تبدو تجربة مجدي نجيب الخصبة، المنفتحة على قوس قزح وخلايا الإبداع اليقظة في حواس الإنسان.

في معرضه "أساطير" (20 نوفمبر-1 ديسمبر) بغاليري "خان المغربي" في حي الزمالك بالقاهرة، يخوض مجدي نجيب (82 عاما)، مغامرة مزدوجة، فهو من جهة يتعاطى مع الفن بوصفه مشاغبة تلقائية واندفاعا طفوليا بريئا، ومن جهة أخرى يماهي بين الرسوم والقصائد في فضاء تخييلي واحد، موقّع باسم الفنان كعلامة مميزة.

يواصل صاحب الدواوين الشعرية “صهد الشتا” و”الحب في زمن الحرب” و”أغنية الرصاص” أبجديات الرفض والاعتراض، بألوان الزيت والأكريليك في هذه المرة، مستعيدا على مسطح اللوحات خبرات زاخمة في التمرد على الواقع بالقلم، والسخرية من أوضاع مفروضة مرفوضة، وقد دفع مجدي نجيب سنوات من عمره في المعتقل في خمسينات القرن الماضي ثمنا لإبحاره ضد التيار و”الوقوف في الممنوع”، كما في عنوان إحدى قصائده.

تجربة نجيب التشكيلية، باختصار معادل بصري لقصائده وأغنياته ذائعة الصيت “تايهة في شفايفنا أفراحنا.. وسْط جراحنا”، وهو في حالتيه مبدع مستقل، ينتمي إلى النور والحرية “شبابيك.. الدنيا كلها شبابيك”، ويغزل أشعته بطاقة داخلية وثابة، وأنامل محتمية بالبهجة والأمل وحب الحياة والثقة بعبور المتاهة والأجواء الخانقة صوب التحقق والبراح والانتصار.

أيقونات البقاء

كرنفال بصري حي يستعدي الإرث التشكيلي المصري عبر التاريخ
كرنفال بصري حي يستدعي الإرث التشكيلي المصري عبر التاريخ

يرسم الفنان مجدي نجيب ببساطة كي يبقى، وتبقى عناصر الحياة من حوله، والكائنات والموجودات. الفن لديه فعل مقاومة، ليس بشعارات الصياح والاحتجاج، وإنما من خلال الخلق البديل، وإيجاد النسق الشامل المشرق، الذي يحتوي حيوية الحياة، ويحتفي بإطلالة الإنسان.

كائناته، وفي مقدمتها الكائن الآدمي، تستحق البقاء، لأن خميرتها معجونة بالصمود، ومشحونة بكهرباء الانطلاق، فالكل يتحرك ليتحرر، ويتحرر ليتحرك أكثر وأكثر. هي لعبة يرتادها الفن بعنوان مراوغ “أساطير”، لبلوغ عالم حقيقي، تفاعلي، مغزولة عناصره ومفرداته بعناية.

قال نجيب لـ”العرب”، “أشارك في هذا العالم بالقليل من الحروف، والقليل من اللوحات، لا أعتبر الفن احترافا لمهنة، بقدر ما هو ترجمة أمينة لذات تلتصق بالآخرين”.

وأكد أنه يراهن على “البراءة، والطفولية، ومراعي الاخضرار الممتدة في أرواحنا، وثمار التفاؤل والسعادة، وبهذه الإرادة يمكننا مواصلة الحياة”.

في سبيله إلى تثوير لوحاته، بصريا ودلاليا وتعبيريا، يحمّلها الفنان بأيقونات مفتاحية ودوال متشعّبة، هي الأكثر ملاءمة لفلسفة الوهج والتحدي والنماء والازدهار، وتأتي على رأسها دفقات الطفولة، والرموز النسوية، وأجواء المرح والاحتفالات.

متنفس غير اعتيادي للفن في فضاء معلق بمكان ما
متنفس غير اعتيادي للفن في فضاء معلق بمكان ما

هذه الأيقونات التي يقدّمها نجيب ذات عمق تاريخي دائما، فهي متجذرة في الوعي الجمعي والوجدان الشعبي، فالطفولة لديه هي دفتر الطفولة منذ الأزل، والمرأة هي الرصيد الحضاري النسوي والإرث الإنساني الطويل، والألعاب والأعياد وملتقيات الأهل والأحباب هي الخارطة الاجتماعية منذ مهد تشكّلها.

ويصف لـ”العرب” عناصر عالمه بأنها تعكس رؤيته لمفردات الأصالة في واقعنا الكابوسي، “قد تكون المساحات حولنا ضيقة، فهنا يأتي دور الفن، ليهدم الأسوار، ويزيح البوابات، ويمنح الكلمات والمرائي مساحات متسعة، أرجو أن تكون لوحات المعرض قد فتحت أفقا لرؤية، أو أطلقت عصافير الخيال من محبسها”.

سحر الخيال

يمزج الفنان بين معايناته المباشرة للأرض من حوله، وحصاد الذاكرة اللاقطة عبر سنوات العمر المديد، منفتحا كذلك على معين معرفي لا محدود، حيث يحفل الموروث الشعبي بالسير وملاحم الأبطال والقصص التي تروق للصغار وللكبار على السواء، والأساطير التي باتت حقائق لدى الكثيرين، من فرط التعلق بها.

يقدم مجدي نجيب حكاياته بسلاسة، مانحا دور البطولة لأطفاله ونسائه، في مناخات مسرحية حاشدة بامتياز، تتلاقى فيها الطيور والطائرات الورقية الملونة في السماء، وتتراقص فيها الخيول والجمال على أنغام الموسيقى على الأرض، وتتراص جنبا إلى جنب عرائس البحر المسحورة، وعرائس الحلوى المزينة.

حضور صوتي يمنح الصورة أبعادا إضافية
حضور صوتي يمنح الصورة أبعادا إضافية

يستحضر الفنان طقوس الموالد والأعياد والأفراح وغيرها من المناسبات والاحتفالات الاجتماعية، خصوصا في القاهرة التاريخية والمناطق الشعبية والقروية، فمثلما أنه شاعر يكتب باللغة الخضراء “العامية المصرية”، فإنه رسام يضفي على أساطيره الخاصة رائحة الطمي والطين النيء.

وكدأبه في قصائده “أسكن بيوت الفرح؟ آه ممكن.. أسكن بيوت الحزن؟ لا يمكن”، يشيّد الفنان مجدي نجيب بيده مقومات الفرح في لوحاته الباذخة، مفسحا للعناصر الصوتية أيضا مجالا للإطلال الصاخب، فالنساء يزغردن ويعزفن على الوتريات ويضربن على الطبول في أثناء رقصهن، والأطفال يغنّون ويصيحون وهم يلهون، والرجال يصفقون ويتحدثون بحماس، والكون كله يستمتع بسيمفونية لا تنقطع حركاتها.

 هذا الكرنفال البصري الحي، لا يغفل كذلك الإرث التشكيلي المصري عبر التاريخ، فوجوه النساء تعكس الملامح الفرعونية المميزة، والزخارف والمنمنمات والحروف في لوحات نجيب تحيل إلى الفن الإسلامي ونقوش الخيامية واشتغالات الأرابيسك والخطوط العربية وغيرها، فضلا عن استيحاء الفنان جماليات التطريز في هندسة بعض الجزئيات والتفاصيل، في إطار عام عفوي غير متقيد بحسابات.

ولأن الفنان يتخذ من الأساطير عتبة استهلالية، فإن كل شيء مباح ومتاح بغير أطر، بداية من خلخلة النسب الطبيعية للوجوه والملامح، وصولا إلى المزج الكامل بين الواقعي والفانتازي، فالبشر يسبحون في قاع البحر مع الأسماك في ليونة، ويشاركون الطيور تحليقها في رحلات عجائبية، ومن ثم تنتقل حالة السعادة الفردية المنبعثة من الفنان، لتعم البشر جميعا، ثم تصير ثيمة عامة تصف الكون بكل ما فيه.

“أساطير” مجدي نجيب، متنفس للفن في فضاء معلق بمكان ما، يمتلك الفنان مفاتيحه وأسراره بقدرته على الاحتفاظ بالدهشة والارتداد إلى الفطرة النقية.

عناصر ومفردات متجذرة في الوعي الجمعي والوجدان الشعبي
عناصر ومفردات متجذرة في الوعي الجمعي والوجدان الشعبي

 

11