مجد بعد الأربعين

بوفون حصد تقريبا كل الألقاب ولم يبتسم له الحظ سوى في مسابقة دوري الأبطال، لقد تألق وحصد النجاح لأنه ظل محافظا على موقفه وقوته ولم يتأثر بـ"طعنات" التقدّم في السن.
الأحد 2018/08/12
أي مكافئة تنتظرك يا بوفون؟

قبل حوالي أربعة عقود برز حارس مرمى إيطالي تألق كأفضل ما يكون، فساهم بقسط وافر في رفع راية منتخب بلاده عاليا بعد أن قاده إلى التتويج ببطولة العالم. حدث ذلك في مونديال إسبانيا وتحديدا سنة 1982، في تلك البطولة برز دينو زوف، فحقّق بمعية زمرة من اللاعبين الإيطاليين ما يشبه المعجزة بما أن المنتخب الآتزوري لم يكن ضمن المرشحين للمراهنة على اللقب.

غير أن زوف حاز الإعجاب واستأثر بالقسط الأكبر من المعجزة، فالمعجزة تكمن أحيانا في بعض التفاصيل، والمجد الأكبر يتماهى مع المعجزات. لكم أن تتخيّلوا أن هذا الحارس رفع اللقب العالمي وهو في سن الأربعين. لم يسبقه في تحقيق هذا الإنجاز أي لاعب، ولم يسر على دربه بعد مرور 38 عاما أحد. كان التتويج ببساطة أسطوريا وخالدا ومن الصعب أن ينتزعه منه أي لاعب آخر.

لقد كتب زوف التاريخ وصنع المجد في وقت كان كل من يبلغ عتبة الأربعين عاما ينعم بامتيازات “المعاش” الرياضي. فالبعض توجه لخوض تجارب في الحقل التدريبي، فيما اختار البعض الآخر التحليل الفني أما النزر المتبقي فقد اعتزل الميدان الكروي وابتعد نهائيا عن الأضواء، لكن زوف صمد وصبر وصابر واستمر، فكان الجزاء على قدر العطاء والولاء.

اليوم تتكرّر الصورة، لقد أطل “زوف” جديد من وراء السحاب، ومن المفارقات أن من تقمص الدور المشابه لأسطورة حراسة المرمى في إيطاليا، هو حارس آخر ومن إيطاليا أيضا، حارس مرمى ألمعي عبقري، حقّق بدوره المجد ورفع اللقب العالمي، لكن في سن الثامنة والعشرين ربيعا، إنه ذلك اللاعب المحبوب وصديق الجميع جانلويجي بوفون.

اليوم بدأ بوفون مسيرة جديدة ومغامرة ومختلفة. لقد بدا وكأنه شاب في مقتبل العمر، كأنه لاعب صعد للتو من فريق الشباب، بيد أن المعطيات مغايرة تماما، فبوفون احتفل منذ بداية العام الحالي بعيد ميلاده الأربعين، أي نعم يا سادة، بوفون ذلك الأسد في عرينه بدأ “العمر الثاني”، ففي الوقت الذي توقّع خلاله بعض متابعيه أن يترجل ويختار توديع الملاعب أقر العزم على بدء مرحلة جديدة في مسيرته كلاعب محترف ينتمي لنجوم الصفوف الأمامية.

طريق بوفون كانت مختلفة، لكنها مميزة للغاية، ففي الوقت الذي يختار خلاله أغلب اللاعبين الاعتزال أو الانتقال إلى دوريات مغمورة مثلما حصل مؤخرا مع إبراهيموفيتش وروني وإنييستا، ظفر هذا الحارس بعقد مغر للغاية، فقد فتح أمامه باريس سان جرمان أفقا رحبا لاستكمال سنوات إضافية من العطاء واللعب، لقد ضمن له البقاء مع النجوم والمشاركة في البطولات الكبرى.

قبل ثلاثة مواسم تقريبا، بدأ البعض يتكهن بتاريخ اعتزال بوفون، فقد تجاوز سن التقاعد الكروي، لكن هذا الحارس كذّب التكهنات. لقد مرّ إلى السرعة القصوى منذ موسمين وقدّم عروضا قوية للغاية، فساهم بقسط وافر في محافظة اليوفي على لقب الدوري وساعده في الموسم قبل الماضي للوصول إلى المباراة النهائية لدوري الأبطال، وكاد يفعلها في الموسم الماضي، لكن سوء الحظ حرمه من ذلك في مواجهة قوية للغاية ضد الريال.

بوفون صانع المجد وصائد البطولات قدّم كل شيء لليوفي، لقد كان قدوة وقائدا بكل ما للكلمة من معنى، كان مثالا في الوفاء والولاء والتاريخ يحفظ له تعلقه بيوفتنوس، رغم سقوط الفريق إلى الدرجة الثانية سنة 2006 عشية تتويج هذا اللاعب مع منتخب بلاده بكأس العالم.

بوفون حصد تقريبا كل الألقاب ولم يبتسم له الحظ سوى في مسابقة دوري الأبطال، لقد تألق وحصد النجاح لأنه ظل محافظا على موقفه وقوته ولم يتأثر بـ”طعنات” التقدّم في السن.

كان دائما يسير في ظل ذلك الأسطورة زوف، وفي كل مرة تحين ساعة الرحيل إلاّ وينتفض من جديد ويعود أقوى من ذي قبل، فيحافظ على فصول التاريخ المشرق ويكتب نصوصا جديدة عنوانها المجد الكروي الخالد.

بيد أن لكل قصة مهما “عظمت” بداية ونهاية، فبداية بوفون كانت خيالية عندما قدم في أحلى سنوات عمره إلى اليوفي قادما من بارما، قصة النجاح المستمرة منذ سنوات طويلة آن لها أن تكتب خاتمة النهاية، فبوفون اختار الرحيل مع نهاية الموسم الماضي، حينها كتبت الصحف الإيطالية وأطنبت الحديث عن نهاية مرتقبة واعتزال وشيك للاعب أسطوري.

غير أن بوفون فاجأ الجميع، بل أذهلهم وأدهشهم، فاللاعب الأربعيني ظفر بعقد مميّز وجيد للغاية، إذ انتقل إلى أقوى فريق في الدوري الفرنسي، لقد أغراه فريق العاصمة باللعب لفائدته، والأكثر من ذلك أن إدارة هذا الفريق أكدت حرصها على إعطاء الحارس الإيطالي مكانة رفيعة، إذ سيكون الحارس الأول خلال الموسم الجديد رغم وجود نخبة من حراس المرمى الشباب الجيدين للغاية.

أي مكافئة تنتظرك يا بوفون؟ وأي مجد ستكون كل أبوابه مفتوحة أمامك، فقدر بوفون كان طيلة 17 سنة اللعب دوما على الألقاب مع “السيدة العجوز”، وقدره اليوم وهو يتأهب بعد أشهر معدودة للاحتفال بعيد ميلاده الحادي والأربعين أن يقود كتيبة الفريق الباريسي في رحلة العمر نحو “غزو” أوروبا، ومعانقة لقب أمجد الكؤوس.. لو كتب لبوفون الحصول على هذا اللقب، حينها ودون أي شك سيستحق مكانة أعلى من زوف بكثير، مكانة في الصف الأول ضمن الأساطير.

23