مجد رمضان زمنها ليس زمن الآخرين

رسامة مثالية تمزج الإيمان بالرسم.
الأحد 2021/08/01
مجد رمضان رسامة تنشر شغفها بشقاء القديسين بين الكنائس

أما حين تتحرر الرسوم من زمانها فإن ذلك معناه أنها التحقت بزمن الأسطورة. وهو زمن يقع في كل مكان. رسوم اللبنانية مجد رمضان من ذلك النوع الذي يستعين بالحكاية لخلق زمنه الخاص. وهي في ذلك لا تقف عند حدود الحكاية بل تفلت في أحيان كثيرة من الحكاية ليكون هناك شيء جديد يُروى عن طريق الرسم.

يسحرها أن تكون هناك. في زمن الرسم وزمن الحكاية معا. وهو ما لا يمكن تخيّل وقوعه إلا على سطح اللوحة. وهو سطح يسمح بحدوث المعجزات بسبب المكان المقدس الذي يحتويه.

وهنا تكمن مفارقة حياتها المدهشة وهي واقعة لا تحدث إلا في حالات نادرة. إن رمضان التي تزين رُسُومها الكنائسَ لا تؤمن بالمعجزة الغيبية لأسباب عقائدية ولأنها جزء من إرث ديني. بل تقوم بذلك لأنها تصدق ما تؤديه باعتباره جزءاً من خيالها الشخصي.

بين زمن الرسم وزمن الحكاية

صور متخيلة عن حكايات سبقتها المعجزات

إنها هناك لأنها ترسم وهي ترسم لأنها هناك. تلك المعادلة لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال التعمق في تأمل الحكاية الشخصية ومقارنتها بحكايات كثيرة شبيهة، لا يزال الكثيرون ينظرون إليها على أساس أنها الهوامش التي لا غنى عنها من أجل أن تكون الحكاية الدينية مقنعة.

بالنسبة إلى رمضان يعنيها أن تقيم في تلك الهوامش لأنها تسمح بالحركة والتأويل والتفكير والتأمّل من غير الالتزام بالحكاية الأصلية التي ينبغي أن تظل كما هي، وقد تم رسمها ببراعة منذ عصور الرسم الأولى وصولا إلى عصر النهضة حيث بلغت ذروتها مع روفائيل ومايكل أنجلو.

تتحسس مكانها دائما. فهي لا تصدق حين تنظر إلى رسومها أنها المرأة ذاتها التي تعيش في عصر مختلف. ولكن ماذا يحدث لو أن الفنانة اعتبرت زمن رسومها هو الزمن الخالد الذي تقيم فيه كل حياة؟

ذلك ما يُسمّى بالاندماج في حالة الممثلين وهو ما يمكن أن يقع بيسر مع رمضان. يمكنها أن تكون رسامة قادمة من عصر آخر كما أنها يمكن أن تولد بطريقة مختلفة، بحيث يتحول المدهش في حالتها من مكان إلى آخر. ذلك المكان هو السحر الذي ينطوي عليه أداؤها التعبيري.

ليست رسوم مجد رمضان وثائق عن واقع بل هي صور متخيلة عن حكايات سبقتها المعجزات إلينا.

ما الذي ترغب في أن تفعله هذه المسلمة وهي تنشر شغفها بشقاء القديسين بين الكنائس؟ كانت كائنا مختلفا غير أنها كانت في الوقت نفسه تحقق انتماءها إلى العذاب البشري بطريقتها الخاصة.

الفن باعتباره ملاذا روحيا

الرسم الكنسي له قواعده التي يمكن تعلّمها بيسر لكن الأهم من ذلك أن تشفع للفنان موهبته القادرة على فرض أسلوبه الشخصي وسط حشود من الرسامين تميز بعضهم بعبقرية استثنائية. وقد نجحت رمضان في أن تنضم إلى ذلك الحشد

ولدت رمضان في الدوحة من عائلة لبنانية عام 1965. عام 2000 انتقلت إلى لبنان. حصلت على دبلوم فنون من أكاديمية مايكل أنجلو. خارج الحيز الكنسي أقامت الفنانة معرضا مشتركا مع علاء بشير عم 2016 بعنوان “المسيح بين الرؤية والرؤيا”. كما مثلت لبنان في بينالي فلورنس عام 2019. كان لقاؤها بالفنان الراحل أسعد رنو في أكاديمية مايكل أنجلو مؤثرا في مسيرتها الفنية. فهو الذي علّمها قواعد الرسم الكنسي لما لمسه فيها من استعداد وموهبة فكانت مساعدته بعد أن تعرض لحادث سير أثّر على أداء يده اليمنى.

في بلد غارق في الطائفية لم تصل رمضان إلى المكانة التي هي فيها الآن بيسر. واجهتها صعوبات من جهتين. الوسط الكنسي والوسط الفني المسيحي. كان من الصعب بالنسبة إلى الوسطين القبول بفنانة مسلمة تخترق بثقة عالم التصوير الكنسي ويتفاعل مع رسومها الجمهور المؤمن من غير أن يلتفت إلى ديانتها. قاومت مجد إلى أن فرضت قناعتها التي تقوم على قاعدتين: الأولى تقول إن الفن لا دين له، والثانية تنطلق من تداخل الأديان السماوية، بعضها مع البعض الآخر. فلطالما بنى معماريون مسيحيون مساجد واخترعوا أشكالا لمآذن خلدها التاريخ كما هو حال ملوية سامراء في العراق.

كسرت رمضان حاجز الطائفية على الأقل على مستواها الشخصي ومستوى مَن يعرفها ومَن تمتع برؤية أعمالها. غير أن أهم ما حققته الفنانة هو ذلك الشعور العميق بالراحة النفسية وهي تجد نفسها تطلق موهبتها في مكان يرمّم في أعماقها فكرة العيش الآمن في ظل الأفكار المطلقة. وهو ما كانت تحتاجه في مرحلة عصفت بها الكآبة ولم تكن الحياة الصاخبة تلائمها. ومثلما أطلق الجو الكنسي موهبتها فإنه أعاد إليها توازنا روحيا كانت قد فقدته بعد انتقالها بين عالمين.

حارسة حكايات القديسين

زمن الأسطورة

تجربة رمضان الفنية تقوم على التحدي والمغامرة. تحدي الذات والمغامرة في الخارج، في عالم لا تعرف عنه كل شيء. لقد ذهبت إلى المكان غير المتوقع لتكون سيّدته. كما أنها اختارت أن ترسم موضوعات يغلب عليها الطابع الروحي بالرغم من أن تلك الموضوعات لم تكن جزءا من إرثها الشخصي.

ربما فكرت في أن يكون لها معرض دائم. كان سؤالي عن معارضها الشخصية فائضا. هل تحتاج فنانة من نوعها إلى أن تقيم معارض في صالات مغلقة على زوار محدودين فيما تعرض أعمالها في فضاء مفتوح لمختلف المتلقيين بذائقة جمالية تتسع كلما يمضي الوقت. وسيكون عليها أن تؤرخ مسيرتها بالأحداث التي تفوح منها رائحة القداسة.

رمضان التي تزين رُسُومها الكنائسَ حول العالم، ومن بينها الفاتيكان، لا تؤمن بالمعجزة الغيبية لأسباب عقائدية ولأنها جزء من إرث ديني وحسب. بل تقوم بذلك لأنها تصدق ما تؤديه باعتباره جزءاً من خيالها الشخصي

الجانب المشوق في مغامرتها الفنية هو الأكثر صعوبة. وهو جانب يتعلق بالمهارة والتمكن من الحرفة قبل التحليق بالخيال. في مقابل الحكايات الكلاسيكية ينبغي أن يكون هناك أداء كلاسيكي واضح الموهبة. هنا بالضبط تكمن قيمة ما تفعله رمضان.

في ذلك لا تشترك مع أحد من الفنانين. لديها ما يميزها قبل الرسم وبعده. لم تكن لديها عقدة طائفية وظلت الحكايات المسيحية مصدر سحر لخيالها غير أن المران المستمر وهبها القدرة الفائقة على التحكم بموهبتها التي تماهت من خلالها مع المواد والسطوح التي جعلتها تمارس عملها بمزاج يتجاوز لحظة العمل إلى ما سبقه وما سيلحق به. تتمتع مجد باستحضار القديسين والإنصات إلى حكاياتهم ومن ثم إعادة صياغتها بصريا.

للرسم الكنسي قواعده التي يمكن تعلمها بيسر لكن الأهم من ذلك أن تشفع للفنان موهبته القادرة على فرض أسلوبه الشخصي وسط حشود من الرسامين، تميز بعضهم بعبقرية استثنائية. نجحت مجد في أن تنضم إلى ذلك الحشد وأن تتميز بأسلوبها الذي يفرض شخصيتها. ألا يكفي أن لوحة من مجد رمضان موجودة في الفاتيكان؟

تنتمي رمضان إلى عالم الرسم في أعلى تقاليده المثالية. وهي في ذلك إنما تحظى بمنزلة خاصة بين ما هو فني وما هو أخلاقي. رسومها تدعو إلى الإيمان وترسّخه وهي في الوقت نفسه تكسب متلقين يهمهم أن يتمتعوا بالرسم في حد ذاته. الرسم الخالص كما نحبه.

رسامة أساطير ترغب في أن يكون لرسومها محل ما بين الأسطورة وبين ما يليها وهي من خلال ذلك إنما تخدم الرسم باعتباره وسيلة للخلاص ولديها ما تتركه من بصمات شخصية هي أشبه بالكتابة على الأيقونة التي تتجدد كلما أتيح النظر إليها. عالم هذه الرسامة ثابت غير أنه يتحرك في الزمن الخالد.

9