مجرد فراشة تخفق بجناحيها

الأحد 2014/07/13

حين تخفق فراشة بجناحيها في جزيرة هونغ كونغ الصينية، فإن إعصارا غير متوقع قد يحدث في ولاية تكساس الأميركية.. هذا هو ما يسمونه بتأثير الفراشة Butterfly Effect، الذي يُشكل إيجازا وتقريبا لنظرية “الشواش” أو “الفوضى“ Chaos Theory في العلوم الفيزيائية والرياضية، والتي يعود الفضل في اكتشافها للأميركي إدوارد لورنتز (1917-2008)، الذي اكتشفها عام 1963، حين كان يبحث عن نمط معين للتنبؤ بالأعاصير وتكونها وكيفية بداياتها وتشكلها النهائي، ولكن هذه النظرية أصبحت تُستخدم في العلوم الاجتماعية، وخاصة الاقتصاد وما يتعلق بأسواق المال بصفة أخص، وكذلك في مجالات أخرى كثيرة، للدلالة على استحالة الوصول إلى نتائج موثوقة تمام الثقة من ناحية، وللدلالة على قيمة التفاصيل الدقيقة مهما كانت صغيرة في تحديد المُخرجات النهائية لصيرورة أي حدث ما من ناحية أخرى. استخدام القوانين المُتحكمة في سيرورة الحوادث والظواهر الديناميكية المتحركة للتنبؤ بمآل تلك الحوادث والظواهر وفقا لمنطق تلك القوانين، ليست كافية، وذلك حين تتدخل تفاصيل صغيرة مغرقة في صغرها في التأثير على الحدث، وذلك مثل خفقان أجنحة فراشة، أو بعوضة لا قيمة تذكر لها، في قرية مجهولة في الشرق، فيكون للحدث تأثير على مآل الأحداث في مدينة تضج بالحياة في الغرب مثلا، وذلك مثل صخرة صغيرة تدحرجت من أعلى جبل مطل على قرية، فيؤدي ذلك إلى زحزحة أحجار أخرى في طريقها، وتلك تزحزح أخرى، إلى أن تكون النتيجة النهائية هي انهيار كبير قد يدفن القرية القابعة أسفل الجبل تحت الركام، مع أن البداية كانت مجرد حجر صغير قد يقذفه طفل صغير من أعلى الجبل، أو إعصار يقتلع المنازل في مدينة واشنطن الأميركية، رغم أن البداية كانت مجرد رفرفة فراشة تجوب هضاب مدينة لاسا في التبت، فما بالك بنسر كبير مثلا.


الحال لم تعد ذات الحال


أذكر في هذا المجال أني شاهدت فيلما من الخيال العلمي، لا أذكر اسمه حقيقة، فحواه أن بعض العلماء اخترعوا آلة للسفر عبر الزمن، وسافروا بها إلى أعماق سحيقة في التاريخ، ملايين السنين إلى الوراء، وكان التحذير أن لا يعبث أحد بأي شيء في تلك الأحقاب مهما كان صغيرا، ولكن أحدهم، ومن باب الاستهانة بالأمر، جلب معه حشرة ميتة إلى المستقبل على سبيل التذكار، ولكن المستقبل الذي عادوا إليه لم يعد حاضرهم الذي تركوه، بل كان كيانا مختلفا تماما مليئا بتوحش لم يعهدوه، فعادوا أدراجهم إلى الماضي لإعادة الحشرة إلى حقبتها، وعندما عادوا إلى حاضرهم من جديد كان الإنسان نفسه قد تغير بفعل عوامل التطور، ولم يعد هو ذات الإنسان الذي يعرفون، بل إنهم هم أنفسهم بدأوا بالتلاشي من الوجود، فالعوامل التي أدت إلى وجودهم اختلف مسارها، وبالتالي فإن الحال لم يعد هو ذات الحال، ولن يكون ذات الحال، لأن تفصيلا صغيرا مُس خلال تلك الرحلة الزمنية. ونفس الفكرة ناقشها فيلم “العودة إلى المستقبل”Back to the Future، حين أخذ بطل الفيلم معه كتابا إحصائيا عن النتائج الرياضية الأميركية من عام 2015، وعندما عاد هو ومخترع الآلة إلى عام 1985، كان عاما مختلفا عما تركوه، وتحولت مدينتهم الهادئة المسالمة إلى وكر للجريمة والعنف والفساد، وكل ذلك بسبب نشرة رياضية لا قيمة لها مهربة من المستقبل. وقبل ذلك كان بطلا الفيلم قد عادا إلى الماضي، وكاد حينها أن يختفي البطل من الوجود نتيجة وقوع أمه الشابة في غرامه بدلا من غرام أبيه، لولا أن تدارك العالم مخترع آلة الزمن الأمر، ورتب لعودة العلاقة بين الأب والأم.

وبعيدا عن الأفلام وليس بعيدا عنها حقيقة، فما الحياة إلا قصة فيلم طويل، فإن أفضل ما يرد في الذهن كمثال في هذا المجال، هو سيرة حياة الحجاج بن يوسف الثقفي في تاريخنا، الذي لولا دوره التاريخي في تثبيت أركان الدولة الأموية، فربما ما كان لتلك الدولة أن تستمر قدر ما استمرت. فقد كان الحجاج معلّم صبية في الطائف، ولكنه كان شديد الطموح، ساعيا إلى السلطة بكل ما أوتي من قوة، فكان أن ذهب إلى عبدالله بن الزبير في مكة، وكان الصراع على الخلافة على أشده بين الأمويين والزبيريين، باحثا عن مكان له تحت الشمس، ولكن ابن الزبير ازدراه وقلل من قيمته، وفق روايات عديدة، فأسرها الحجاج في نفسه، وترك ابن ذات النطاقين حانقا واتجه إلى دمشق، حيث الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، الذي سرعان ما اكتشف قدرات الحجاج وطموحاته، فكان سيفه الذي لا يُغمد، ونقمته التي لا تَرحم مجرد هامس أو غامز بنقد للدولة المروانية، فكان الحجاج هو من قضى في النهاية على خلافة ابن الزبير في مكة، وكل ذلك كان محرضه الأوّلي “تأثير فراشة”، وهو ازدراء ابن الزبير للحجاج في أول عهده، ولو كان الأمر غير الأمر، لربما كان التاريخ العربي الإسلامي مختلفا كثيرا اليوم، ولكنا نتحدث اليوم عن الدولة الزبيرية بدلا من الأموية. بل إن “حرب البسوس” قبل الإسلام كانت نتيجة تأثير الفراشة في كثير من وجوهها، وهي الحرب التي دامت لأكثر من أربعة عقود، وحصدت آلاف الأرواح، وكان سببها الأوّلي قتل ناقة عجفاء بسهم أطلقه كليب في ساعة غضب وخيلاء، فكان أن قُتل كليب بسهم أطلقه جساس في لحظة انفعال عابرة، وكان ما كان من أحداث لم يتوقعها أو يتصورها كل من شارك فيها، وذلك مثل صدع صغير في أعماق المحيط، شكل دوائر ودوائر، حتى تحولت هذه الدوائر إلى “تسونامي” أغرق المدن والقرى.

ولماذا نذهب بعيدا في هذا المجال، فالطاعون الأسود الذي فتك بنصف سكان أوروبا في العصور الوسطى، يُقال إن سببه الأوّلي كان جرذان موبوءة في سفينة كانت قادمة من الصين، ورست في أحد الموانئ الإيطالية، ومنها كانت بداية المرض، أو الفراشة الخافقة. ومن سخريات التاريخ في هذا المجال هو تلك التفاصيل التي رافقت حياة فلاديمير لينين (1870-1924)، قائد وزعيم الثورة البلشفية الروسية عام 1917، فلولا أن الألمان الذين كانوا في حالة حرب مع روسيا القيصرية آنذاك، نقلوه إلى بطرسبورغ الروسية في قطار مغلق، لربما كان للثورة في روسيا مسار مختلف، ولربما ما كان لروسيا أن تمر بالمرحلة الشيوعية من الأساس، وكل ذلك بسبب حدث بسيط، مجرد خفقان أجنحة فراشة، كان القصد منه إضعاف القدرة العسكرية الروسية من خلال تحطيم الجبهة الداخلية، فإذا الأمر يُسفر عن نشوء دولة اشتراكية عظمى كان لها من التأثيرين التاريخي والإيديولوجي الشيء الكثير، وفي مختلف أصقاع العالم. بل إن هنالك من الباحثين من يرى أن جذور كره أدولف هتلر (1889-1945) لليهود تكمن في طفولته، حين تزامل هو والفيلسوف النمساوي-البريطاني لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951) في صف دراسي واحد، وكان فيتغنشتاين يهوديا، وإن كانت عائلته قد تحولت إلى البروتستانتية، وابنا لواحد من كبار مالكي صناعة الحديد والصلب في إمبراطورية النمسا والمجر، فيما كان والد هتلر مجرد موظف حكومي في الجمارك النمساوية، ولم تكن علاقة اليافعين علاقة طيبة، فكان أن بدأت جرثومة كره اليهود في التسلل إلى أعماق هتلر، وهي الجرثومة التي تغذت على صدماته الشخصية اللاحقة في فيينا، فجعلته موقنا أن اليهود هم سبب كل بلاء عانته وتعانيه الأمة الألمانية (أنظر مثلا كتاب: يهودي لينز، لكيمبرلي كورنيش، منشورات أرو، لندن، 1999). قد لا يفسر ذلك موجة العداء الكاسحة لليهود التي كانت تجتاح أوروبا، وخاصة في روسيا وألمانيا، ولكن لا شك في أن تجارب الطفولة وخبراتها لها أثر كبير في تكوين شخصية الفرد لاحقا وبذلك تكون العلاقة المتوترة بين اليافعين، هتلر السياسي وفينتغشتاين الفيلسوف، قد لعبت دور جناحي فراشة حركت القليل من الهواء، ليتمدد ويتمدد لاحقا، وكانت النتيجة النازية والحل النهائي للمسألة اليهودية في أوروبا. بمعنى آخر، فإنه حتى الفوضى أو الصدفة أو الحادث العارض، أو ما يبدو أنه فوضى وصدفة وحادث عارض، لها قوانينها المُنظمة والتي تختفي بين التفاصيل من ناحية، وبين الصورة العامة من ناحية أخرى.


حكاية جناحي الفراشة


نظرية “الشواش” أو الفوضى هذه، وحكاية جناحي الفراشة، تجد لها مكانا كبيرا في أحداث السياسة ومحدثاتها، بل إنه يُمكن القول إن الكثير من تلك الأحداث ومسارها كانت بدايته خفقان جناحي فراشة أو حتى بعوضة هنا أو هناك، ولعل أبرز ما يخطر على الذهن هنا هو تلك الرصاصة التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى. ففي هذه الأيام تمر الذكرى المئوية لاغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر (1863-1914)، الذي اغتيل يوم 28 يونيو/حزيران، من عام 1914، على يد غافريلو برنسيب، وهو قومي صربي من أعضاء منظمة “الكف الأسود” القومية الصربية المتطرفة، في مدينة سراييفو في البوسنة والهرسك، وكان اغتياله بداية لسلسلة من الأحداث انتهت باشتعال الحرب العالمية الأولى التي استمرت أربع سنوات (1914-1918)، وحصدت أرواح أكثر من تسعة ملايين إنسان، غير الجرحى والمعاقين، وأعدت المسرح لكثير من الثورات الشعبية في العديد من الدول الأوروبية، لعل أهمها ثورة أكتوبر في روسيا، والثورة الألمانية عام 1918، وبداية صعود النازية والفاشية، والتمهيد للحرب العالمية الثانية. بطبيعة الحال لم تكن رصاصة غافريلو برنسيب هي السبب في كل هذه الأحداث، ولكنها كانت تلك الفراشة التي بخفق جناحيها، حركت الهواء المحيط بها، والذي بدوره حرك ما حوله، فكان الإعصار. لم يكن قاتل الأرشيدوق وهو يقف منتظرا مرور الأرشيدوق، يعلم أن الرصاصة التي تقبع في مسدسه سوف تدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وسوف تكون إشارة بدء سلسلة من الأحداث الجسيمة التي شكلت عالمنا المعاصر. وقبل الرصاصة القاتلة، كانت سياسة الإمبراطورية التي امتهنت وقللت من شأن القوميات الصغرى المنضوية تحت لوائها، فكانت المرارة التي اعتملت في نفوس المنتمين إليها، وكان الحقد المتنامي في نفس القاتل، وكانت الرصاصة القاتلة. ومن سخريات القدر في قصة اغتيال الأرشيدوق كما يُقال، هو أن الأرشيدوق كان عائدا إلى القصر بعد زيارته للمصابين في المستشفى نتيجة محاولة اغتيال سابقة بالقنابل اليدوية، ولكن سائق السيارة غيّر مساره بالخطأ، حسب ما يذكره التاريخ، ليدخل في طريق فرعي، وكان غافريلو منتظرا هناك، فكان ما كان، ومات الأرشيدوق وزوجته، وكانت آخر كلماته لزوجته: “لا تموتي حبيبتي.. ابقي من أجل أطفالنا”. والأكثر غرابة وسخرية سوداء، هي أنه عندما أُصيب الأرشيدوق بتلك الرصاصة القاتلة، حاول من حوله فك سترته، ولكنهم لم يستطيعوا لعدم وجود مقص، فمات الأرشيدوق بعد ذلك بزمن وجيز.


الفوضى الخلاقة


اليوم يبدو أن فراشات عديدة تخفق بأجنحتها في عالم العرب، ناهيك عن البعوض والذباب وبقية الحشرات التي تطن وتزن وتخفق في كل زاوية من عالم العرب، غير ناسين أو متناسين تلك الحشرات التي خفقت بأجنحتها في الماضي القريب والبعيد، فأوصلتنا دون تخطيط منا أو من الآخرين إلى ما نحن عليه من حال، وربما انطبقت عليهم وعلينا مقولة إبراهيم باشا: “أردنا شقراء، وأراد الله ضرما”، والتي ذهبت مثلا، في سلسلة من الأحداث ربما كان ساستنا أو غير ساستنا السبب في بداية حدوثها، طمعا في الوصول إلى نتائج معينة في الذهن، فإذا بها تخرج عن السيطرة وتتحكم بنا وبسلوكنا في النهاية، ممهدة الطريق لسلسلة أخرى من الأحداث المتناسلة، الله وحده أعلم إلى أين ستقودنا والعالم من حولنا، فنحن في البداية والنهاية جزء من هذا العالم، وإن رفض البعض منا هذا الانتماء. فمثلا، لو أخذنا بنظرية الفوضى وتأثير الفراشة، لوجدنا أن بعض تلك الفراشات غاية في الصغر حيث لا يؤبه لها، فإذا بنتائجها في غاية الوخامة. فمثلا، وفي ظل الأخذ بهذه النظرية، لو طرحنا سؤلا عاما وقلنا: من أطاح بأبراج نيويورك عام 2001، أو كان مسؤولا عن تفجيرات 1995 و2003 في الرياض، أو الهجوم الأخير على منفذ الوديعة مثلا؟ الجواب ليس مجموعة التسعة عشر من الباحثين عن الشهادة والتمتع بالحور العين، أو جماعة المقرن وغيره من أعضاء القاعدة والمنتشين بفكر داعش والجهاد الإسلامي وغيرهم، فقد تكون خطبة لداعية في مسجد ما، أو جملة في كتاب من منهج ما، أو حتى مدرّس مجهول في مدرسة أو جامعة أو معهد آسر اللفظ والبيان، متوتر الفكر، مُصاب بكل ذهان، مجرد جملة تدعو إلى “الولاء والبراء”، ورفع “راية الجهاد” ضد “أعداء الإسلام”، الذين هم وَهْمٌ معشعش في الذهن وليس بالضرورة واقعا ملموسا على الأرض، قد تكون هي الفراشة الأولى التي خفقت بجناحيها في مخيم صيفي قابع في أعماق الصحراء، أو جماعة تحفيظ قرآن الله أعلم بما تلقن بجانب كلام الرحمن الرحيم، ليصل إعصارها إلى نيويورك ولندن ومدريد والرياض والرباط والوديعة، وغيرها من مدن عالم كله يقع في خانة الجاهلية، وحتى عالم المسلمين منه. إنها الفوضى أو الشواش الذي يبدو وكأنه خارج تحكم أي قانون وكل قانون، ولكنه في الحقيقة خاضع لقوانين الفوضى “الخلاقة” التي نجهلها، وكل ما نجهله يتحكم فينا في النهاية. هي فوضى خلاقة في الخاتمة، فكل فوضى خلاقة وفق أسلوبها، ولكن السؤال هو عن ماهية الخلق في النهاية، والطبيعة الجينية التي سيرثها الجنين المتكون في الأحشاء في الخاتمة.

ولو أردنا أمثلة أكثر وضوحا ومباشرة، فإنه لدي قناعة تامة مثلا، وإن نقصتها المعلومات الموثقة التي ستكون كالسيل مستقبلا، بأن “داعش”، ومن هو على شاكلة داعش، صناعة مخابراتية متعددة المشاركين في بداية أمرها واستمرار شأنها، وهي نمت وسمنت وتمددت بمعونات قوى إقليمية ودولية معينة، نتيجة سعي هذه القوى لتحقيق مصالحها القومية وأمنها الوطني كما يتصورها راسموا سياساتها الاستراتيجية، ولكن، ووفقا لنظرية الفوضى وجناحي الفراشة، فإن راسمي السياسة هؤلاء لا يستطيعون تسيير الأمور وفق قناة لا تتعدى المياه حدودها، وأن تصنع “داعش” لا يعني أن تكون كلي القدرة في التحكم بمسارها واتجاهها، بمثل ما أن البريطانيين لم يستطيعوا التحكم بجماعة الإخوان المسلمين، وهم من كان يدعمهم في بداية أمرهم، وبمثل ما أن إسرائيل لم تُدرك حقيقة تأثير الفراشة، حين مهدت الطريق لبزوغ “حماس” في البدايات، كأضعاف لمنظمة “فتح” وغيرها من التنظيمات الفلسطينية المهيمنة على حركة المقاومة. ولماذا نذهب بعيدا في ضرب الأمثلة هنا وهناك ولدينا أكبر مثل على ذلك، وهو دور الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج خاصة، في خلق حركة طالبان، وتشجيع “الصحوة”، وفتح الطريق لنشوء تنظيم القاعدة لاحقا، لأغراض سياسية آنية، فإذا الأمر يخرج عن السيطرة، وتجتذب هذه التنظيمات وفكرها العقول المستلبة للملايين من شباب غض، تشابه عليه الأمر، فضلّ طريق المستقبل، وأخذ يبحث عنه في أوهام زُرعت في الذهن ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يُقرها عقل أو دين، فضاع وأضاع، والله وحده العالم اليوم إلى أين المصير.

قد يتساءل البعض: ما الذي ترمي إليه من هذا الحديث عن نظرية الفوضى وتأثير الفراشة والبعوضة وحتى الذبابة؟ سؤال في محله حقيقة، إذ أن الغرض ليس مجرد استعراض نظريات لا علاقة لها بما جرى أو يجري أو سيجري، بقدر ما أن الغاية التذكير بأنه ليس دائما تجري الرياح بما تشتهي السفن، حتى لو كانت هذه السفن تسير بأحدث ما أنتجته التقنية المعاصرة من أدوات غاية في الدقة، إذ تبقى تلك التفاصيل الصغيرة التي قد لا يدركها راسمو السياسية، أو حتى يتجاهلونها استصغارا لشأنها، مع أنها قد تقلب الأمور في النهاية رأسا على عقب. فعندما أضرم التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه، يوم 17 ديسمبر/كانون الثاني عام 2010، احتجاجا على على بطالته ومصادرة عربته التي يسترزق منها، شكل ذلك الفعل خفقان أجنحة فراشة صغيرة، أدت إلى ثورة الياسمين في تونس، وهبات شعبية في مصر وليبيا واليمن وسوريا، واضطرابات في مختلف أصقاع العرب، ولكن الذي حرك الفراشة التونسية وجعلها تخفق بجناحيها هو مسألة قد لا يضعها كثير من الساسة والحكام في الاعتبار، ألا وهي الإهانة والازدراء وتمريغ كرامة الفرد في التراب، وهنا تقبع الفراشة الأصلية التي بحركتها تحرك كافة الفراشات. صحيح أن الأسباب الموضوعية البحتة، من بطالة وفساد واستبداد، لها دور كبير في تحريك الأحداث، فقد عاش التوانسة وغيرهم مثلا لأزمان طويلة في ظل هذه الظروف صابرين، ولكنها في مجموعها تشكل البيئة المناسبة للحدث، أما الجين الحقيقي للحدث، أو الفراشة المجهولة التي تحرك الهواء من حولها، فهو شيء لا علاقة له بالموضوع بقدر ما له علاقة بتضافر الموضوع بأمور قابعة في أعماق الفرد، ولعل أهمها الكرامة البشرية، إذ ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الكرامة؟ وفي نهاية حديث يطول، لا نقول إلا ما قاله أبو الطيب في ماضي الأيام“: لا تحقرن صغيرا في مخاصمة، إن البعوضة تُدمي مقلة الأسد”.. هذا وسلامتكم.

6