مجرمو جان جينيه الباريسيون حبيسو الضوء

الأحد 2017/11/19
سيدريك فورميلون.. يشكل العلاقة بين السجناء في فضاء مسرحي

عرف الفرنسي سيدريك غورميلون (1975) بعمله كممثل ومخرج وشغفه بالكاتب والمسرحي الفرنسي جان جينيه، إذ أخرج العديد من نصوصه ومثّل فيها والتي بدأها بنص رقابة مشددة الذي أخرجه عام (1999) في مسرح سان دوني في ضواحي باريس، لتتالى من بعدها النصوص التي عمل عليها غورميلون سواء كانت من المسرح الكلاسيكي أو المعاصر والتي لا تخلو من نصوص جينيه التي يعود لها دوماً، إلا أن تجربته المسرحيّة لا تقتصر على فرنسا بل عمل أيضاً كمخرج في روسيا وفي المغرب.

يعود غورميلون هذا العام إلى نص “رقابة مشددة” ليخرجه للمرة الثالثة ضمن مسيرته المسرحيّة، فالنص الأول الذي بدأ جينيه كتابته حين كان في السجن عام 1942 حضر على الخشبة العريقة للأكاديميّة الفرنسيّة، أداء كلّ من بيير لوي كاليكست وجيرمي لوبيز وسبياستيان بوديرو وكريستوف مونتونيه وذلك في رؤية إخراجية مختلفة عن تلك التي أنجزها غورميلون أول مرة، إذ حينها أدى بنفسه دور لافرانك ضمن فضاء هذيانيّ يعكس حالة السجن ومشابه لذلك الذي يصفه جينيه في تعليماته الإخراجيّة.

يبني غورميلون فضاء العرض معتمداً على الإضاءة بشكل رئيسي، فالخشبة فارغة تقريباً إلا من مربع من الضوء يمثل حدود الزنزانة التي تحوي المساجين الثلاثة والتي يشكّلها الحارس أمامنا، فالسجناء مكشوفون في الزنزانة المتخيّلة أمام أعين المشاهدين، وأجسادهم وانفعالاتهم فقط هي المسؤولة عن رسم الفضاء القاسي، إلى جانب الجهد الجسدي والعاطفي الذي يبذلونه لنقل الإحساس بالضيق والصراعات التي تدور بينهم.

عوالم السجن الداخلية تخضع لزعامات المجرمين والتي يتقاسمها كل من "العيون الخضراء" و"كرة الثلج"، وقيمة الفرد فيها تكتسب على أساس الجريمة بوصفها معيار الهيمنة والقوة ضمن الخاضعين للسجن

يعكس الصراخ والسخرية التي تدور بين الثلاثة طبيعة نص جينيه الذي يحتفي بعوالم المجرمين والسفلة، تلك التي تحكمها القسوة ونظمٌ أخلاقيّة لا مكان للفضيلة فيها، فالعيون الخضراء هو الزعيم في الزنزانة وفي السجن بأكمله، والكائن الفيتشي الذي يسعى كلّ من موريس ولافرانك إلى التشبه به، فجينيه يتبنى الشكل الديني للتقديس ويعكسه على أولئك القتلة، فالعيون الخضراء يقول إن ما فعله هو تجل إلهي، بل ويهزأ من حكم الإعدام، ويرى أن عليهم قطع يديه لأنهما تجل ليد الإله الذي خنق الفتاة.

عوالم السجن الداخليّة تخضع لزعامات المجرمين والتي يتقاسمها كلّ من “العيون الخضراء” و”كرة الثلج”، وقيمة الفرد فيها تُكتسب على أساس الجريمة بوصفها معيار الهيمنة والقوة ضمن الخاضعين للسجن، أما العيون الخضراء أشبه بقديس، فحتى في السجن هو يسعى للتخليّ عن كل شيء كي لا يخضع لأيّ سلطة وخصوصاً أنه محكوم بالإعدام، إذ يتخلّى عن حبيبته للآخرين وعن قسوته حين يبكي أمامهم.

أما من معه في الزنزانة فهم أسرى حضوره الطاغي هو قاتل حقيقيّ لا صاحب جريمة تافهة، وكلاهما يسعيان للوصول إلى منزلته، هو الوحش الذي يريدون اتّباع طريقه، وكأنه قديس للخطايا، حتى أن لافرانك يتقمص دور المجرم، إذ يبني سلسة من الأكاذيب وحكايات اللصوصيّة ليتشبّه به ويقارب منزلته، كما يستبدل ثيابه بثياب العيون الخضراء ليكون مثله ويمسّ ما مسّ، إلا أن حقيقة هذا القديس تنكشف أمامهم، فهو حتى ضمن الزنزانة لا ينتمي لنظامها المنحرف بل هو أعلى منه.

ويرى في لافرانك وموريس أطفالاً وتابعين حمقى، ويترك لافرانك نهاية يخنق موريس مؤكداً أن أحداً لن يكون مثله، فلافرانك يقتل لتحقيق هدف أو نبوءة، أما العيون الخضراء، فيقتل بوصفه بطل ينصاع لإرادة أكبر منه، هو قتل لأن الاختيار وقع عليه من قوى عُلويّة، وتقبل مصيره دون أن يدّعي البطولة ليس مثل لافرانك الساذج أو موريس الشاب المأخوذ بعوالم “الشرّ” والذي يرى في العيون الخضراء خلاصه.

يكسر دخول الحارس إلى الزنزانة فضاء العرض المفتوح أمام الجمهور، وكأن قضبان الزنزانة تتجلى أمامنا فجأة، دخوله يخلق المسافة بيننا وبين أولئك المحكومين الثلاثة، هو تجل للسلطة وسياسات النفي والإبعاد، فحضوره يؤكد أننا لن نكون كهؤلاء، هو الحضور المادي لسلطة المراقبة بوصفه متعاليا على نظام العلاقات الذي يخضعون له، والوحيد القادر على دخول الزنزانة والخروج منها، هو ليس مشاهداً متلصصاً بل فاعل قادر على إعادة تشكيل الفضاء والعلاقات بين المساجين، هو ورقة الأمان التي نستند لها كي لا يخرج هؤلاء “الأشرار” ويعكروا صفوا الحياة المنضبطة والمقنّنة.

كاتب من سوريا

15