مجرم لأنه ابن بالتبني

يكفي أن يقترن قدومك للحياة بوصم اجتماعي يتمثل في أنك مجهول نسب أو ابن بالتبني حتى تكون عرضة للتمييز، وحتى تكون مادة قابلة للتحويل في مصنع المجتمع لتتحول من كائن بريء إلى شخص ناقم.
الأربعاء 2019/07/10
من هم أهلي

لماذا ولدت أنا؟ لماذا أنجبوني؟ هل أنا مذنب لأني أتيت للحياة؟ لم أقرر أن أولد فلماذا رموني؟

أسئلة طرحها مراهق أمام كاميرات أحد برامج التوك شو التونسية. ليس ابنا غير شرعي أو مجهول النسب بل هو ابن بالتبني. أوصله المجتمع، الذي تغيب عنه الإنسانية عندما يتعلق الأمر بأشخاص مختلفين، إلى درجة عالية من النقمة والسخط التي حولته من طفل بريء مظلوم إلى شاب مجرم ومنبوذ وسجين سابق.

المجتمعات عندما تكون قائمة على التمييز والتنمر تتحول إلى أعظم مصنّعي ومنتجي المجرمين. ليست الظروف المعيشية وحدها المسؤولة عن النزعة الإجرامية عند الإنسان، مثلما أكدت العديد من الدراسات العلمية، بل النشأة والأسرة من بين أهم العوامل التي تكسب الإنسان هذه الميول، لكن اكتشفت مؤخرا أنه لمجرد أن تكون مختلفا، فأنت مؤهل لأن يحولك المجتمع بمعاوله وأدوات عمله وتسييره إلى مجرم، وقد يتم ذلك بسهولة ودون تتفطن أن نفسك لما يطرأ عليك من تغير.

مراهق يصبح كائنا متوحشا رغم ملامح البراءة والوسامة واللطف التي تبدو على مظهره. يبكي الشاب بحرقة أمام الآلاف من المتابعين لهذه البرامج ويعترف بما اقترفه من أخطاء في حق نفسه وحق أمه التي ربته. دموعه جمعت بين حرقة الطفل البريء المظلوم والمنبوذ، وبين ندم الشاب العاق السجين السابق ذي العضلات المفتولة الذي يشرب الكحول ويستهلك بعض المواد المخدرة، لينطلق في ممارسة الوحشية؛ يقوم بواسطة آلة حادة سكين أو مشرط بجرح نفسه وتقطيع أوردته ثم يتجه مباشرة لتعنيف أمه وإهانتها لمجرد أنها ليست أمه البيولوجية.

لا يتعاطف الناس مع من يقدم على الاعتداء على والديه حتى ولو كان ابنا بالتبني، بل يعتبرونه عاقا ومجرما، ولكنهم في الوقت ذاته من دفعه إلى مثل هذه الممارسات حين زجوا به بالغمز والسخرية والتنمر والتلميحات الشيطانية إلى أقصى درجات الوحشية. يروي الشاب أنه نشأ طفلا مدللا مبجلا وأن أمه منحته طفولة رائعة.

تغير الوضع عندما كبر وذهب إلى المدرسة، ثم خرج إلى الحي وربط علاقات مع أقرانه ومن يفوقونه في العمر من شبان. بدا يسمع كلام يكاد لا يفهمه من قبيل “اذهب وابحث عن والديك الحقيقيين”، “أنت ابن حرام” “من أمك.. إنك لا تعرفها”. جمل رسخت في ذهنه إلى أن بلغ الثامنة عشرة من عمره بدأ يطرح السؤال على أمه هل أنت لست أمي الحقيقية؟ ابن من أنا؟ من هم أهلي؟ وعظمت دوائر الاستفهام داخله على أمر لم يصدقه ولم يستوعبه بسبب لا مبالاة عائلة الأب بالتبني، عمومته وأبناؤهم، الذين يتجاهلونه ويتصرفون بما يكشف له أنه ليس فردا من العائلة.

عندما سمعت حكاية الشاب لم أعذره، لكن تعاطفت معه وأشفقت عليه وعلى أمه، بل بكيت معه ومع أمه التي كانت تنجب مواليد يموتون بعد الولادة وبعد ثماني سنوات من الزواج قررت أن تتبنّى طفلا ينير حياتها مع زوجها، اقترحت عليها إحدى القريبات بأن تتبنى هذا الطفل الذي لا ترغب أمه في تربيته كونها على أبواب الطلاق مع والده، تم الأمر وكانت وزوجها يعتبرانه كنزهما وسندهما في الكبر. قررا أن يخفيا عليه قصة التبني خوفا من ردة فعله.

اضطلع معمل التمييز والتنمر (المجتمع) بهذا الدور، فأبلغ الطفل بأبشع الطرق بأنه ابن بالتبني، بأن فرحته بأمه وأبيه هي مجرد وهم، وأنه كبر وعاش في كذبة بأنهما أخفيا عليه الحقيقة. تلقى الطفل صدمة حياته وبصفعات قوية ومتتالية تحول إلى كتلة من الغضب، تدفع أمه للاعتراف بالحقيقة بالتعنيف والصراخ والهستيريا وتقطيع عروقه.

اتصلت الأم المربية بأم ابنها البيولوجية وطلبت منها أن تتصل به وتقدم له نفسها لأنه يبحث عنها ويريد أن يتعرف على التي حملته في بطنها تسعة شهور وأنجبته. لم تتجاوب الأخيرة ببساطة وقالت إنها تزوجت ولديها أبناء ولا تريده. طرق الابن باب الأب البيولوجي وذهب لمنزله، لكن الأخير طرده، وقال أن لديه بنات صبايا في عمره ولا يريد أن يعيش معهم ابنه “الغريب”.

بعد صفعات السخرية من الأقران والرفاق تلقى الطفل ضربتين قاسيتين فاقتا قدرته على التحمل وعلى الاستيعاب وكانتا السبب في سقوطه في مستنقع العنف الذي يمارسه على نفسه وعلى أمه إلى أن طردته بدورها وقدمت ضده شكوى لدى الجهات الأمنية فكان أن دخل السجن لأشهر بسبب عقوقه وتعنيف أمه.

الأم الفقيرة التي لا تستطيع معالجة ابنها لدى مختصين نفسيين سلّمت بعد صبر طويل بأنها خسرته وبأنه تحول إلى كائن متوحش وأنه جاحد ولا يريدها أما له، الشاب بعد أن حمل علامة وصم جديدة كسجين بات الشارع مأواه وغرق في حالة من الاكتئاب دفعته إلى تشويه جسده، لكنه اتصل بالبرنامج التلفزي كآخر حل ليطلب المساعدة في أن يكفّ عن تشويه وإيذاء نفسه، ولكي يطلب السماح من أمه ولكي يجد من يساعده على مصاريف العلاج النفسي.

في مجتمعاتنا العربية ومن بينها المجتمع التونسي يكفي أن يقترن قدومك للحياة بوصم اجتماعي يتمثل في أنك ابن غير شرعي أو مجهول نسب أو ابن بالتبني حتى تكون عرضة للتمييز والتنمر والسخرية، وحتى تكون مادة قابلة للتحويل في مصنع المجتمع لتتحول من كائن بريء إلى شخص ناقم عنيف ومجرم، ثم بعد أن تنتهي مرحلة التحويل إلى مجرم تأتي مرحلة التجريم لتصبح موصوما بالمجرم ثم العقوبة والسجن لتصبح في ما بعد سجينا ومن ذوي السوابق العدلية.

هذا ابن شرعي بوالدين معروفين ولقي هذه الويلات فما بالكم بالأبناء غير الشرعيين أو بالمولودين خارج إطار الزواج، إلى ماذا يمكن أن يحولهم مجتمع بهذه القسوة يعاقبهم على ذنب ارتكبه غيرهم. أي مجتمع هذا الذي يحول طفلا بريئا إلى شاب عاق ومجرم. من المجرم ومن المذنب هنا؟

21