مجريات الأزمة السورية تفرض نسقها على الأردن

الخميس 2014/07/10
مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن تحول إلى مدينة قائمة بذاتها

عمان - أتت سيرورة الثورة السورية لتضع المجتمع الأردني خاصة بعد تدفق نحو 1.4 مليون لاجئ سوري إلى الأردن أمام تحديات عديدة تحّللها الباحثة هناء جابر في دراسة صدرت ضمن مبادرة الإصلاح العربي.

شدّدت دراسة، صدرت عن مبادرة الإصلاح العربي على ضرورة التنبه إلى خطورة البُعد الديموغرافي لتدفق اللاجئين السوريين الذين أصبحوا يشكلون بالفعل نحو سدس سكان المملكة الأردنية، محذّرة في ذات السياق، من الاعتقاد بأن الصراع السوري قد أخمد فتيل موجة الاحتجاجات في الأردن مما أعفى الدولة من القيام بإصلاح سياسي عميق. إذ ترى أنه يتعيّن القيام بتلك الإصلاحات عاجلا أم آجلا.

تتطرّق الباحثة هناء جابر، في ورقتها التحليلية التي حملت عنوان “الأردن احتجاجات ومعارضة على خلفيّة الأزمة السورية”، إلى دور المسألة السورية في رسم المشهد السياسي الأردني على الصعيدين الداخلي والإقليمي.

وعلى غرار ما يجري في لبنان وتركيا، باتت الحرب الدائرة في سوريا شأنا أردنيّا داخليّا تتجاذب حوله القوى السياسية، بعضها موال للنظام السوري والبعض الآخر معارض له.

هذا الخلاف، حول الأزمة السورية، يعكس وفق دراسة هناء جابر، جزءا من الخلافات التي تسود المجتمع الأردني، الذي يوصف بأنه مجتمع عشائري تقسّمه الأدبيات السائدة إلى شرق أردنيين وفلسطينيين.

اللاجئون السوريون أصبحوا يشكلون بالفعل سدس سكان المملكة الأردنية

بيد أن رصد الاحتجاجات التي تفاقمت مع اندلاع الثورات العربية يشير إلى أن تشقّقات المجتمع الأردني تكمن في تباينات مغايرة للأدبيات السائدة.

من هنا، تقول جابر، وجب التمييز بين الاحتجاجات الناتجة عن استياء شعبي تجاه أداء الحكومات الأردنية المتتالية في إدارة الشأن العام، لا سيما في ما يتعلّق بالفساد السياسي والاقتصادي وغلاء المعيشة والبطالة، من جهة، وأطياف المعارضة الرسمية التي تستغلّ موجات الاستياء هذه لفرض نفسها على الساحة السياسة، من جهة أخرى.

تؤكّد الباحثة أن المشهد السياسي الأردني في خطابات المعارضة السائدة، حتى بداية الثورات العربية، تميّز بهيمنة الخطاب الذي يربط بشكل يكاد يكون عضويّا، بين البعدين الداخلي والإقليمي، لا سيما الفلسطيني. ثم جاءت الثورات العربية لتضع مختلف أطياف المعارضة السياسية الأردنية أمام ضرورة التعامل مع وضع اجتماعي وسياسي أردني صرف، بمعزل عن القضية الفلسطينية.


تدفق اللاجئين


لم يكن في الحسبان أن تَعقّد الوضع السوري، وانعكاساته الإقليمية على بلدان الجوار، وعلى الأردن بالتحديد، سيؤدّي تدريجيا إلى استقطاب من شأنه أن يشلّ حركة الإصلاح السياسي الداخلي المنشودة في المملكة. فقد تغلغل الصراع السوري تدريجيا إلى صميم الحياة السياسية في الأردن ليلعب دورا جوهريّا في إعادة صياغة تحالفات المعارضة وسياسات الحكومة تجاه الاحتجاجات الشعبية. وسرعان ما بدأت المعادلات السياسية الأردنية ترتسم على إيقاع تطوّرات الوضع في سوريا منذ اندلاع الاحتجاجات في درعا (مارس 2011).

ومع تدفّق السوريين بداية إلى مدينتي إربد والرمثا والقرى المجاورة لهما، ثمّ إلى العاصمة عمّان، أنشأت الحكومة الأردنية، بمساعدة دولية وإقليمية، مخيّم الزعتري، الذي يتّسع لـ130.000 لاجئ من أصل 600.000 حسب تقديرات مفوّضية اللاجئين العليا.

تدفّق اللاجئين السوريين، بشكل غير متوقّع، دفع الحكومة الأردنية إلى انشاء مخيّم آخر في الأزرق، في آيار 2014، سعته 108.000 لاجئ. وتوضّح الدراسة أن هذا المخيّم يلاقي عزوفا من قبل اللاجئين لبعده عن البنى التحتية والمدن.

وأمام هذه المعطيات، تقول الباحثة هناء جابر، لا عجب إذن أن يكون الموضوع السوري الشغل الشاغل للسياسيين في الأردن شأنهم شأن المواطنين، وأن يكون النزوح السوري، الذي غيّر المشهد، الاجتماعي والمديني بالكامل في شمال الأردن، وخاصة الرمثا وإربد، فقد ساهم في فرز خطابات متعدّدة ومتنافرة ومتناقضة تجاه الأزمة السورية وانعكاساتها الداخلية.

الصراع السوري تغلغل تدريجيا في صميم الحياة السياسية في الأردن ليلعب دورا جوهريا في إعادة صياغة تحالفات المعارضة

لم تغب هذه الصدمة الاجتماعية، التي أحدثها تدفّق السوريين، عن حسابات النظام الأردني في تعامله مع أطياف المعارضة. وأتى هذا الواقع ليخدم عرضا سياسا كان قد باشره النظام عام 2009، ألا وهو فتح قنوات تواصل مع الأحزاب اليسارية، خاصة في شمال المملكة، حيث دعمت أجهزة النظام في السنتين الماضيتين اتجاهات ناصرية للوقوف في وجه مخطّطات عناصر الإخوان المسلمين.

وكان ردّ النظام في بداية الاحتجاجات، وحتى منتصف 2012، تغيير الحكومة بحجة الفساد والعمل على تعديلات دستورية نزولا عند مطالب بعض القطاعات المهنية.

في نهاية 2012، تشير ورقة هناء جابر، إلى أن النظام الأردني غيّر من طريقة تعامله مع الاحتجاجات، وأصبح متشدّدا أكثر، في ظلّ تصاعد تداعيات الأزمة السورية على الداخل الأردني.

وتزامن هذا، وفق جابر، مع عدّة عوامل من بينها تلقّي الأردن ضمانات بدعم دولي وإقليمي، خاصة من السعودية؛ واستعادة النظام السوري لقوّة كان بصدد فقدانها، مما أعطى دفعا للأحزاب الأردنية الموالية للنظام السوري، التي قرّرت في آخر لحظة المشاركة في الانتخابات النيابية، في 23 نوفمبر 2013، بعد أن نادت بمقاطعتها.

على صعيد السياسة الخارجية، تشير هناء جابر إلى أنه لا يخفى على أي مراقب للمشهد الأردني أن النظام يستعمل الملف السوري للتأكيد على أهميّة دور الأردن الإقليمي في هذه المرحلة بالتحديد. من هنا يشكّل الحفاظ على الأمن الداخلي أولويّة قصوى، خاصة مع تصاعد حركة نقل الأسلحة على الحدود الأردنية السورية.

وتصف الباحثة تعامل الأردن مع الملف السوري بالتعامل “المطّاط”، حيث يحدّد النظام الأردني موقفه تبعا لتطوّر الوضع على الساحة السورية وأيضا على الساحة الدولية.

وهذا الموقف، وفق ما جاء في الدراسة، بتقديم تصريحات ومواقف متضاربة دون أن يكون في ذلك تناقض واضح. وترصد الباحثة في هذا السياق كيف أن النظام الأردني يحافظ على السفارة السورية الرسمية بينما يستقبل لقاءات إقليمية للائتلاف الوطني السوري المعارض.

كما تلاحظ الباحثة أن الأجهزة الأمنية تسمح من جهة بتنظيم مظاهرات مناهضة لنظام الأسد أمام السفارة السورية في عمان، في ذات الوقت تسمح لوفد من المناضلين اليساريين بزيارة رسمية لبشّار الأسد أهدوه خلالها العباءة الهاشمية (فبراير 2013).

من نتائج تحويل الثورة السورية إلى حرب دموية صدّرت انعكاساتها إلى البدان المجاورة، أن جعل هذا الصراع من ديمومة وثبات النظام الأردني ضرورة استراتيجية، وذلك في ظلّ ظروف إقليمية متخبّطة وغامضة الأفق.


ضرورة استراتيجية


ترصد الدراسة أن من بين تداعيات الصراع السوري على الأردن، حصول المملكة على دعم دولي وإقليمي لا يستهان به. فبحلول صيف 2012، وفي قمّة الاحتجاجات الشعبية، بدأ كبار العالم وقادته يتوافدون على الأردن، من الرئيس السوري فلاديمير بوتين (يونيو 2012) إلى نظيره الأميركي باراك أوباما (مارس 2013)، مرورا برئيس وزراء بريطانيا، ديفيد كاميرون (نوفمبر 2012) والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند (يونيو 2013)… هذا ناهيك عن اجتماعات على مستوى رؤساء أركان الجيوش العربية والغربية بالإضافة إلى التدريبات العسكرية السنوية التي تستضيفها المملكة، على غرار عمليّات “الأسد المتأهّب”، وهي مناورات عسكرية مشتركة تقام بالأردن بين كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة الأردنية بمشاركة 16 دولة أخرى عربية وأجنبية.

وتشير الباحثة، بناء على هذه المعطيات، إلى أن هذه النشاطات إشارات واضحة ذات حدّين موجّهة من جهة إلى الرأي العام الأردني تفيد بأن النظام ليس بالضعف الذي قد يتصوّره البعض، ومن جهة أخرى إشارات مرسلة إلى الدبلوماسية الغربية تفيد بأن العاهل الأردني سيد الموقف.

التغيير السكاني الكثيف الذي يحدثه السوريون في الأردن سيتحول إلى مسألة حساسة تمس الهوية الوطنية

تختم الباحثة هناء جابر، دراستها التي تناولت فيها الكثير من الجوانب المرتبطة بالداخل السوري وتداعيات الأزمة السورية عليه وعلى المطالب والاحتجاجات الشعبية بالخصوص.

وأكدت على أنه لا يجب “أن نمر مرور الكرام على حوالي 1.4مليون سوري في الأردن، إذا استخلصنا العبر من اللجوء الفلسطيني، أو على الأقلّ، إذا أخذنا محمل الجدّ نتائج عموم الدراسات المقامة حول اللاجئين في العالم".

هذه الدراسات تفيد بأن احتمال عودة اللاجئين إلى بلادهم تقارب الصفر ما إن يتجاوز اللجوء أعوامه الستّة الأولى، خاصة إذا لم ينتف الخطر الذي تسبّب في فرارهم، وهو على الأغلب، لن يزول قريبا في ظل ما تشهده المنطقة حاليا.

وتؤكّد الباحثة أن مفاد هذه النتائج أن التغيير السكّاني الكثيف الذي يحدثه السوريون في المملكة الأردنية سيتحوّل، في المستقبل القريب، إلى مسألة حسّاسة تمسّ الهوية الوطنية وتتقاطع فيها مع الهوية الفلسطينية والهوية الشرق أردنية.

6