مجزرة "البراجنة" توحد اللبنانيين رغم الخلافات السياسية

شكلت العملية المزدوجة التي استهدفت الضاحية الجنوبية، صدمة لدى الرأي العام اللبناني بالنظر لدمويتها، وقد سارعت مختلف الأطراف السياسية لاستنكارها في مشهد يعكس إيمان اللبنانيين بضرورة وحدة الصف في مواجهة الإرهاب، ولكن تبقى التنديدات غير كافية لهذه المواجهة المفروضة حيث أن على هذه الأطراف لا سيما حزب الله اتخاذ خطوات جريئة وعملية لإنقاذ لبنان وتحصينه وخروج حزب الله من مستنقع سوريا.
السبت 2015/11/14
قوات من الجيش اللبناني تمشط مكان العملية الإرهابية

بيروت - عزز التفجيران الانتحاريان اللذان استهدافا برج البراجنة في الضاحية الجنوبية، وحدة الصف اللبناني، وخلق نوعا من اللحمة بين مكوناته السياسية والمدنية ضد الإرهاب الذي لا ينحصر خطره ضد جهة معينة فقط بل يطال الجميع.

وأعلنت الحكومة اللبنانية، أمس الجمعة، يوم حداد وطني، حيث أغلقت المدارس والجامعات والمؤسسات أبوابها.

وارتفعت حصيلة قتلى التفجيرين إلى 44 بالإضافة إلى إصابة 239 شخصا بجروح، بعضهم في حالة حرجة، وفق ما أفادت به منظمة الصليب الأحمر.

ويعد هذا الاعتداء، الذي تبناه تنظيم الدولة الإسلامية، الأكثر دموية منذ إعلان حزب الله اللبناني الشيعي مشاركته في النزاع السوري المستمر منذ العام 2011، كما أنه إحدى أكثر الهجمات دموية منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990).

وقد تواترت التصريحات المنددة بالاعتداء من كافة الأطياف اللبنانية والتوجهات والمشارب السياسية، داعية إلى الوحدة بين اللبنانيين لتخطي عتبة هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان.

وقال رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام “إن الجريمة الهمجية التي وقعت في برج البراجنة، لم تدم منطقة بعينها أو طائفة بعينها وإنما أدمت لبنان من أقصاه إلى أقصاه”.

ودعا سلام إلى “البناء على لحظة التضامن الوطني التي تجلت في موجة الاستنكار العارمة التي صدرت عن جميع الأطراف السياسية، من أجل المحافظة على اللحمة الداخلية وتعميم أجواء إيجابية في حياتنا الوطنية”.

واعتبر رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري أن “استهداف المدنيين عمل دنيء وغير مبرر، لا تخفف من وطأته أي ادعاءات”، مشددا على أن “قتل الأبرياء جريمة موصوفة بكل المعايير من برج البراجنة إلى كل مكان”.

أما وزير العدل أشرف ريفي المعروف برفضه لسياسات حزب الله فقد حث “كل الزعماء السياسيين على تنحية خلافاتهم جانبا والعمل معا على انتخاب رئيس للبلاد ودعم الحكومة والبرلمان”.

تمام سلام: ضرورة البناء على لحظة التضامن من أجل المحافظة على اللحمة الداخلية

ويرى محللون أن هذا الشعور العام السائد في لبنان فرصة للأطراف السياسية اللبنانية وبخاصة لحزب الله للبناء عليه، وإبداء إرادة جدية في فصل لبنان عن ما يحدث في سوريا، وذلك بإخراج قواته من المستنقع السوري.

ويشارك حزب الله منذ أواخر 2011 في القتال إلى جانب قوات نظام الأسد (ينتمي إلى الطائفة العلوية) ضد المعارضة، وقد رفعت هذه المشاركة من منسوب التوتر الطائفي في لبنان، كما ساهمت في جذب الإرهاب إلى لبنان.

وقد سجلت على مدار العامين 2013 و2014 عمليات إرهابية استهدفت أساسا الضاحية الجنوبية، التي يشرف على تأمينها أساسا عناصر حزب الله.

ومن أكثر الاعتداءات السابقة دموية تفجيران انتحاريان استهدفا السفارة الإيرانية في 19 نوفمبر 2013 وتسببا بمقتل 23 شخصا وجرح 150، وآخر في منطقة الرويس بسيارة مفخخة في 15 أغسطس 2013 قتل فيه 27 شخصا وأصيب 336 آخرين بجروح.

وتبنت مجموعات متطرفة العمليات، محملة حزب الله مسؤولية خطواتهم جراء تدخله العسكري إلى جانب نظام الأسد.

ويعتبر لبنان، وفق المحللين والمتابعين للمشهد العربي، الحلقة الأضعف في منطقة الشرق الأوسط وقد ساهم وجود حزب الله في سوريا في جعل هذا البلد مرفقا بالملف السوري وتعقيداته.

وما يزيد الوضع اللبناني سوءا هو أيضا عملية التعطيل الممهنجة لحزب الله وحلفائه لعملية انتخاب رئيس للجمهورية، الأمر الذي انعكس سلبا على الحياة السياسية ككل في هذا البلد.

ويأمل اللبنانيون في أن يدفع هذا التفجير الدموي حزب الله إلى مراجعة مواقفه وقراراته سواء إزاء تدخله في سوريا أو فيما يتعلق بالشأن الداخلي، لأن المتضرر الوحيد منها هو الشعب اللبناني.

وقال الصحفي والمحلل السياسي كمال ريشا لـ“العرب” “تفجير برج البراجنة استهداف واضح للاستقرار في البلد، ومواجهته تتطلب خطة وزارية تطبقها القوى الأمنية التي من مهامها حفظ الأمن دون تدخل حزب الله وجهازه الأمني، خصوصا أن التفجير قد حصل في منطقة سكنية وليس في مربع أمني لحزب الله”.

وفي السابق لم يسمح الحزب للقوى الأمنية بالدخول إلى مواقع التفجيرات منذ اللحظات الأولى، أما في العملية الإرهابية الأخيرة فقد دخلت القوى الأمنية موقع التفجير منذ البداية وواكبت مسؤولي حزب الله الذين صرحوا من موقع الانفجار.

واعتبر المحلل اللبناني أن المطلوب اليوم من حزب الله، إلى جانب إعطاء الأجهزة الأمنية والجيش مسؤولية تولي تأمين المناطق المحسوبة عليه، هو الخروج من سوريا وعدم إخضاع البلد لشروطه.

ومن ناحية أخرى أعرب عن أمله في أن يسرع ما حدث في تسوية الأزمة، قائلا إنه يلتمس هذه المرة من حزب الله جدية لتحقيق هذا الهدف الذي ينشده جميع اللبنانييون.

هذا التفاؤل لا يبدو أنه ينسحب على البعض في لبنان، خاصة لجهة انتماءات حزب الله الإقليمية. فالحزب وكما هو معلوم لا يخفي مدى ارتباطه بإيران وهذا يعد أحد الأسباب الرئيسية في أزمات لبنان، من وجهة رأي الكثيرين.

وأعرب لقمان سليم الكاتب والمحلل السياسي اللبناني في تصريح لـ”العرب”، عن خشيته من أن يعمد حزب الله كما سبق إلى توظيف ما حدث للاستمرار في أجندته الإقليمية تحت شعار “مواجهة الإرهاب” في الداخل كما الخارج.

2