مجزرة البونمر تختزل مأساة مناطق عراقية متروكة لمصيرها في مواجهة داعش

السبت 2014/11/01
رجال العشائر يقاتلون بأسلحة دفعوا ثمنها من جيوبهم

بغداد - المجزرة المروعة التي اقترفها تنظيم داعش بحق سكان منطقة بغرب العراق تطرح أسئلة محرجة لحكومة حيدر العبادي بشأن عدالة توزيع المجهودات الحربية بين المناطق التي يهددها التنظيم أو يحتلها بالفعل، مثيرة المخاوف بشأن وجود نوازع طائفية أو غايات انتقامية وراء ترك سكان مناطق بعينها لمصيرهم بمواجهة التنظيم.

ألقت المجزرة المروّعة التي ارتكبها تنظيم داعش بحق عشيرة البونمر وأودت بأكثر من مئتين من أفرادها أعدموا بدم بارد وهم محاصرون داخل مناطقهم بقضاء هيت من محافظة الأنبار بغرب العراق، بظلال كثيفة من الشك بشأن وجود تراخ في نجدة العشيرة التي قد تكون تُركت لمصيرها من قبل القوات الحكومية، خصوصا وأنّها ظلّت لفترة طويلة تقاوم التنظيم الإرهابي بقدراتها الذاتية وبأسلحة اشتريت بأموال أبنائها.

وإثـر المجـزرة عمّـت أبناء العشيـرة موجـة غضب تجاه حكومــة حيدر العبادي التي اتهموها بعدم تـوزيع الجهد الحربي ضدّ تنظيم داعش بعــدالة بين المناطق المهدّدة بالغزو من قبل مسلّحي داعــش أو المحتلة فعلا من قبلهم، مؤكدين أنّ مناطـق بعينها، تسكنها طائفة محدّدة، حظيت بحمـايـة كبيرة مـن قبل القوات المسلّحة وقــوات الحشد الشعبي رغــم أن تنظيـم داعش لم يدخلها، كمــا أنّ مناطق أخـرى اقتحمها مسلّحو التنظيــم وُجّهت إليهـا جهـود كبيرة بشرية وتسليحية ومالية لتحريـرها، فيما تُركت مناطق أخـرى، وخصوصا في الأنبار، لمصيرها تكـابد احتلالها من قبل داعش وتنكيله بسكـانها.

وذهب سكان من محافظة الأنبار سبق وأن شهدت مناطقهم احتجاجات على حكومة بغداد السابقة، حدّ القول إنّ عناصر متنفدة في حكومة العبادي، وخصوصا في الأجهزة الأمنية والعسكرية، تمنع عنهم المدد كعقاب جماعي ضدّهم عبر تركهم يواجهون داعش بإمكانياتهم الخاصة.

21 طفـلا قضـوا خـلال نزوحهم مع أهاليهم المهجرين من هيت

وشكا هؤلاء من أن حكومة العبادي عرقلت مساعيهم لتشكيل قوات للحماية الذاتية في الوقت الذي تحظى فيه قوات الحشد الشعبي، التي تعتبر الميليشيات الشيعية نواتها الصلبة، بدعم مالي كبير ويتدفق عليها السلاح والمدرّبون من داخل العراق ومن إيران.

وفي ذات سياق هذا الغضب من الحكومة العراقية، حمّل غازي الكعود، عضو البرلمان العراقي وأحد شيوخ عشيرة البونمر أمس حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي والتحالف الدولي المسؤولية عن مقتل أكثر من مئتي فرد من عشيرته على يد تنظيم داعش بالقرب من قضاء هيت بمحافظة الأنبار غربي البلاد.

وقال الكعود لمراسل وكالة الأناضول إن «الدولة العراقية برئاساتها الثلاث؛ الجمهورية والحكومة والبرلمان، بالإضافة إلى واشنطن ولندن تتحمل مسؤولية الدماء التي سفكت من أبناء البونمر على أيدي عناصر داعش»، مشيرا إلى أن الرئاسات أقسمت عند توليها المناصب «على حماية العراق أرضا وشعبا وهو ما لم يتم الوفاء به».

وأضاف: «خلال فترة عيد الأضحى مطلع شهر أكتوبر زرت ناحية الفرات بقضاء هيت التي تسكنها عشيرتي قبل أن أقطع إجازتي وأعود إلى بغداد للقاء رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس البرلمان والقيادات العسكرية العليا حيث طلبت منهم إلقاء كمية من العتاد بواسطة الطائرات إلى مقاتلي العشيرة لمواصلة التصدي لداعش الذي يحاصر الناحية منذ أكثر من شهر، إلاّ أن طلقة واحدة لم تصل».

وأشار إلى أن نقص العتاد والذخيرة لدى مقاتلي البونمر مكّن داعش من هزيمتهم في الناحية وإعدام أكثر من مئتي فرد منهم ودفنهم في مقابر جماعية.

وأوضح الكعود أن واشنطن ولندن تتحملان المسؤولية أيضا عن مقتل أفراد من العشيرة كونهما تقودان التحالف الدولي ولم تقوما بواجبهما في دعم المقاتلين الذين يواجهون داعش إلى جانب القوات الحكومية.

وتابع قائلا إن عشيرة البونمر تشتري العتاد والسلاح من أموالها الخاصة منذ 10 أشهر وتتصدى لداعش فيما لم يتم تقديم أي مساعدة عسكرية من قبل الحكومة العراقية أو التحالف الدولي المشكّل مؤخرا على الرغم من المناشدات الكثيرة التي تم إطلاقها بهذا الخصوص.

غازي الكعود: طلبنا الإمدادات منذ مطلع أكتوبر لكن طلقة واحدة لم تصل

وكان الفريق رشيد فليح قائد عمليات الأنبار إحدى تشكيلات الجيش العراقي أعلن في تصريح سابق عن إعدام داعش لمئتين وخمسين فردا من عشيرة البونمر السنية بعد اختطافهم من منطقة تابعة لقضاء هيت.

وحول أسباب عملية الإعدام، قال فليح إنه يعود إلى الحقد الدفين لعناصر داعش على العشيرة بسبب مساندتها للقوات الحكومية في حربها ضد التنظيم خلال التصدي لدخوله إلى هيت قبل شهر تقريبا.

وتخضع مدينة الفلّوجة، وناحية الكرمة، وأحياء من مدينة الرمادي ومناطق أخرى بمحافظة الأنبار منذ مطلع العام الجاري، لسيطرة داعش.

ويشكو سكان تلك المناطق أوضاعا إنسانية بالغة السوء، في ظل غياب شبه تام للدولة، ونقص حاد في المواد التموينية من أغذية وأدوية وغيرها بينما تسود حالة من انعدام الأمن. ويخضع سكان المناطق التي يحتلّها داعش لقوانينه القاسية.

وتساور سكان الأنبار شكوك في جدية جهود تحرير مناطقهم، خصوصا في ظل الاعتماد على القصف الجوي لطائرات التحالف الدولي والذي أظهر فاعلية جد محدودة نظرا لتغلغل مقاتلي داعش بين سكان المدن.

وتمكنت بعض مناطق الأنبار من الصمود في وجه داعش بفعل جهود مقاتلين من أنباء العشائر الذين يقاتلون بإمكانيات محدودة. وباتت الكثير من عشائر المنطقة تخشى التعرض لانتقام عناصر داعش بشكل وحشي على غرار ما حدث لعشيرة البونمر.

وفي أحدث مظهر للوضع المأساوي في الأنبار، قال عبدالحكيم الجغيفي، قائممقام قضاء حديثة، أمس، إن أكثر من ألف أسرة من سكان منطقة أزوية في قضاء هيت بالمحافظة وصلوا إلى قضاء حديثة في المحافظة نفسها بعد أن تم تهجيرهم من قبل تنظيم داعش، لافتا إلى أن 21 طفلا قضوا عطشا خلال رحلة النزوح بين المنطقتين.

3