مجزرة المعمار في الجزائر

الجمعة 2015/05/15

في هذا الأسبوع زرت منطقة المسيلة التي تعتبر بوابة الصحراء الجزائرية التي تزخر بالثروات الطبيعية الهائلة التي أصبحت نقمة، وبالآثار التاريخية والحضارية المنسية. في هذه الولاية التاريخية التي كانت يوما عاصمة للدولة الحمادية المزدهرة في الماضي البعيد، صدمني بؤس معمارها الجديد الكارثي الذي لا يعد حالة استثنائية لأن المعمار الذي خلق التجمعات السكانية البشعة في الجزائر يعاني منذ الاستقلال إلى يومنا هذا وبشكل عام من التوحش والفوضى.

باستثناء بقايا علامات المعمار الذي تركه العهد الروماني، والفينيقي، والإسلامي القديم، وخلفته فرنسا وراءها، بعد انسحاب جيوشها ومعمريها الأوروبيين من الجزائر، والذي يتعرض بدوره الآن للإتلاف، وعدم التجديد والتحديث والصيانة، فإن المباني التي شيدت في فترة الاستقلال لا علاقة لها بالهوية الثقافية الجزائرية الوطنية من قريب أو من بعيد. والأدهى والأمر هو غياب الأبعاد الوظيفية الحداثية، والجمالية المتطورة، وفنيات العمارة الجميلة التي تمثل أحد الأسس الصلبة للحضارة المتقدمة.

إن الأسلوب المعماري المقحم على الفضاء الاجتماعي الجزائري، والذي ينفذ الآن تنفيذا بدائيا مخلا بمبادئ وأبجديات الحس البشري السويَ، لا علاقة له بالموروث المعماري الإنساني القديم والحديث معا مثل فن العمارة الرمزية، والكلاسيكية، والرومانسية التي يصنفها علماء وفلاسفة الجماليات المعمارية ويعتبرونها بمثابة الوجه الحضاري للإنسانية.

من الناحية الوظيفية فإن المباني السكنية التي تحشر في المدن والأرياف الجزائرية على أنقاض الأراضي الصالحة للزراعة، تمثل فعلا كارثة كبيرة تؤسس لمجتمع فوضوي، وعنيف، وخال من الروابط الاجتماعية بأبعادها الروحية والأخلاقية العالية، ومن الشعور بالانتماء، فضلا عن خطرها على الأجيال القادمة التي سترث خرابا معماريا سينتج لامحالة في المستقبل ثقافة التوحش.

من الناحية الوظيفية فإن ركام الاسمنت والحديد التي ترفع هنا وهناك في شكل بنايات سكنية بدون توفر التناسق في الأحجام، وفي اللون فيها لا يراعى فيها الشروط الأولية لمنزل مريح يمكن أن يصبح مكانا يهيئ الفرد للإبداع، ويشكل نفسيته تشكيلا يضمن السلامة العقلية للناس. من الناحية الوظيفية دائما فإنه لا يعقل أن بناء عمارة مشوهة فنيا من أكثر من خمسة طواق، ولها مدخل واحد ضيق، ومظلم غالبا، ولا تتوفر على فضاء تخزين النفايات بشكل حضاري، وحفظ بريد السكان، والمصاعد التي تنقل المسنين والمسنَات والاطفال الصغار، والنساء الحوامل، والمرضى بسلاسة إلى شققهم دون عناء وفي مناخ من الاريحية.

إن عددا من النساء الحوامل والمسنين والاطفال في الجزائر يخافون يوميا من الصعود إلى منازلهم التي توجد في الطوابق العالية. في ظل هذا المناخ المعماري البدائي والوحشي يمكن أن نفهم جيدا أن الخراب المعماري السائد في الجزائر بعد الاستقلال ليس سوى ترجمة محزنة للخراب النفسي الذي يعمم على المواطنين والمواطنات منذ سنوات طويلة.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15