مجزرة غزة "الجميلة" التي وحدت الشاشات

الأربعاء 2014/07/23

نجح العدوان الإسرائيلي على غزة في خلق تعاطف وحّد نشرات أخبار الشاشات اللبنانية. العدو صنع مجزرة لولاها لا يكون هناك في غزة ما يستحق النظر أو الانتباه. غزة تكون موجودة فقط من خلال المجزرة التي يقوم بها الإسرائيلي، والتي يريد الممانعون تسميتها حرباً وصراعاً في حين أنها ليست سوى مجزرة.

حرمان ما يجري في غزة من توصيفه الفعلي يمنع الضحايا من أن يكونوا ضحايا وأبرياء. يمنع موتهم من أن يصبح علامة على همجية إسرائيلية تحتكرها وحدها. إذا كنا مصرين على وصف ما يجري بالحرب، فإن كل طرف يملك الحق في استخدام ما لديه من وسائل لتحقيق النصر. هكذا تصبح الهمجية الإسرائيلية سياقا طبيعيا ومشروعا، ولا أحد سيسأل عن التفاوت الضخم في ميزان القوى ولا عن استهداف الأطفال والمدنيين. توحيد الشاشات اللبنانية تضامنا مع غزة هو محاولة للإعلان عن وجود قضايا يمكن تحقيق إجماع حولها، وتملك القدرة على دفع المتحاربين إلى نسيان صراعاتهم والتوحد حول قضية مركزية هي الآن قضية فلسطين.

كانت لحظة جميلة استحضرت كل الأمجاد وصبّتها في نسيج شعري راح يتبادل أنخابه “صهاينة” المستقبل، و”إرهابيي” المنار ومن خلفهم وعلى كراسي الاحتياط تهادت القنوات الأخرى لتدلي بدلوها في هذا العرس الجماعي. السؤال الخبيث هو أي غزة هذه التي يتضامنون معها؟ هل اجتهد أحد في تقديم تعريف واضح لها؟ هل غزة الصمود والشهادة “المنارية”، هي نفسها غزة البطولة والعزة المستقبلية؟ هل من غزة واضحة الصورة سوى تلك التي تجري فيها المجزرة؟ هل يعرف أحد غزة سواها؟

ليست غزة التي يتم التعاطف معها سوى صور القتلى والبيوت المدمرة. هذه غزة التي يعرفها جميع المتعاطفين ولا يعرفون سواها. إنها غزة المؤسّسة لصورة الفلسطيني الجميل الذي يبلغ أوج جماله حين يكون في الموت، أما عندما يحاول الحياة أو التماس أي سبيل يقربه من دروبها الوعرة ولو خطوة، فإن كل السبل تسد في وجهه، ويرتدي وجه الفلسطيني القبيح الذي لا يمكن أن تقرأ صورته خارج معجم التحقير والعنصرية.

الفلسطيني ليس إنسانا إذن، إنه مجرد موضوع. سياق من سياقات الثرثرة التي اكتسبت قوة الوقائع تحت سلطة التكرار المر.

اعتدنا على تمثل الفلسطيني قتيلا، فلم نعد نراه خارج حدود جثته، وتاليا صرنا نعتبر أنه ربما علينا أن نناضل لمنع الفلسطيني من مغادرة جثته، فهي وحدها من تحمل صورته وتوزعها علينا على هيئة تعاطف واستنكار وإدانة وشجب.

تعاطفنا مع الفلسطيني الذي وحد شاشاتنا يحمل أخلاق الشاشات وقيمها، فهو لا يحتمل البطء والنضال الطويل الذي يتطلب إنتاج وعي يقرن التعاطف بالعمل الفعلي لمحاولة رفع الأذى، بل هو وليد السرعة البرقية التي لا ترحم، والتي تمثل روح الشاشات وعقلها. من هنا لا يكون موت الفلسطيني جوعا في مخيم اليرموك قادراً على استجلاب تعاطف يوحد الشاشات، كونه بطيئا وفاقدا لتلك الشحنة من الإثارة والحسم التي يصنعها موته تحت القصف بالطائرات.

التعاطف البرقي يحتاج إلى موت برقي، فلو افترضنا أن هناك من صوّر فلسطينياً يعاني الجوع في مخيم اليرموك من اللحظة الأولى حتى موته جوعاً لحظة بلحظة بكل تفاصيلها، وأخذ هذا الشريط إلى الشاشات العربية فهل كان أحد سيعرضه ويخصص له ساعات بث طويلة. لا أحد سيفعل بل ستكتفي الشاشات بعرض النهاية، وربما بعض لقطات تظهر تيبس الجسد، وتلك النظرة المفزعة لوجه ضيقه الجوع حتى بات بلا ملامح.

ستعرض الشاشات مشهدا برقيا من نهر الألم الطويل وتبني التعاطف الشامل على أساسه، وتدفن تفاصيل الألم في قلب هذا التعاطف. الموت السريع يبدو أكثر قدرة على خلق تعاطف تلفزيوني، ولكن ما يجمع بينه وبين الموت البطيء هو أن كليهما نتيجة سياق طويل من المعاناة لا يريد أحد أن يراها.

لحظة بكاء الأم الفلسطينية على أطفالها ليست هي لحظة الفاجعة حقا بل هي نتيجة لها. الفاجعة ليست في الموت الذي تشتهيه الشاشات، ولكنه في العيش الفلسطيني الذي صيّره الإخوة- الأعداء، والأعداء- الأعداء موتاً كامل الأركان، بحيث أن الموت الذي يجلبه العدوان الإسرائيلي يبدو وكأنه وصل متأخرا. غزة لا تقاتل أو تنتصر. غزة تموت وتدفن في جحيم حماسات الشاشات القاتل.


كاتب لبناني

9