مجزرة فرنسا وإعادة إنتاج الإرهاب

الثلاثاء 2015/01/13
عقاب الصحفيين تم بتحضير استخباراتي من النظام السوري لإعادة تأهيله

نستثني الرأيين العنصريين، ونناقش القضية، الرأي الأول يقول: ليَذُق الغرب نتائج إرهابهم العالمي، والثاني: هذا الإرهاب سببه الدين الإسلامي كدين يشجع على الإرهاب. إذا وفي الحالتين لا تعاطف مع الضحايا، و”دعشنة” الدين الإسلامي. هذان الرأيان، ينتج عنهما أن الغرب كلّه مستباح وهدف مشروع للقتل، وأن قتل المسلم، أي مسلم أمر ضروري للخلاص من الإرهاب العالمي، وهكذا.

الآراء السابقة ترفض الواقع، وأن المجزرة، ارتكبها أشخاص إرهابيون نسبوا أنفسهم إلى النبي وقتلوا فداء له، واغتالوا فيها صحفيين وأفراداً عاملين في جريدة محددة. وإذ نؤكد أنها حادثة إجرامية ونعتبرها اعتداء على الإنسان أينما كان، فإن نقاش حيثياتها أكثر من ضروري.

بخصوص النقاش فإن الآراء تعددت، كالقول إنها حادثة إرهابية وأن الامبرياليات ليست هي سبب أزمات العالم وأن الحرب على الإرهاب التي بدأتها أمريكا عام 2011 على أفغانستان كانت محقة وعادلة للتخلص من إرهابيي 11 سبتمبر، وأن الإرهاب سيضرب في كل مكان وفي فرنسا، وعلى العالم أن يتيقظ دائماً وأبدا.

المخفي في تلك الحرب، أن هجوم أميركا وحلفها على أفغانستان كان هروباً من مواجهة المشكلات العميقة، الاقتصادية والسياسية وإغراق العالم في مشكلات ذات طبيعة ماهوية، كالقول أن الغرب مسيحي ومتقدم والشرق مسلم ومتخلف، وهذه هي الوصفة الطائفية والعنصرية لإغراق العالم في المزيد من الأزمات سيما أنه لا حل لدى الدول العظمى للمشكلات!. المجزرة ورغم أنها حادثة قام بها أشخاص محددون إلا أنها تفسر في هذا الإطار.

أن يُقتلَ صحفيون هو حادث إجرامي ويريد كم الأفواه وقتل حرية التعبير. نعم هذا صحيح، ولكن أن توجه أصابع الاتهام فوراً صوب المسلمين، الأوربيين منهم ومن في بلادهم، فهذا لعمري تفكير عنصري يؤله الأوروبي ويحقر العربي والمسلمين خاصة.

بقتل الصحفيين يريدون تكميم الأفواه وقتل حرية التعبير

أصل المشكلات هو من وافق على تشكيل إسرائيل في فلسطين، وهذا أحدث جرحاً في صميم كل العرب والمسلمين، وأن يسمح بوجود نتنياهو للمشاركة في المظاهرة الدولية في فرنسا، هو أمر عنصري ضد المسلمين والعرب، وهو استهتار بكل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وبحق تقرير المصير، هذا هو هولاند وهذه هي ديمقراطية الغرب.

في منتصف الثمانينات تحالف الأميركان والأوربيون وأنظمة عربية متعددة والإخوان المسلمون، مع الجهاديين وأرسلوهم إلى أفغانستان وسموهم مقاتلين من أجل الحرية، وكان الهدف إنهاء كل توجه وطني أو قومي أو شيوعي.

شمولية المشروع الوطني أو القومي أو الشيوعي كانت ذريعة لذلك، ولكنها أنظمة إجرامية وكان الخلاص منها ضرورة للتطور دون شك، ولكن ليس بالطريقة الأميركية تلك! البديل الأميركي كان الجهاديين والأسلمة والطائفية وشرعنة إسرائيل وأخيراً الاعتراف بإيران كدولة مهيمنة في المنطقة، وهذا يوضح أن المسؤول عن أزمات العالم ومنها بروز الجهادية وقوى الإرهاب العالمي باسم الدين، هو سياسات الدول التي تدعي محاربته، فهل يعقل أن تستمر الحرب على داعش قرابة ستة أشهر، وهو نموذج مطوّر في تنظيم القاعدة، ويزداد قوةً في سوريا والعراق؟!

إن أميركا ومعها حلفاؤها، ومنهم فرنسا لا يقاتلون داعش، هم يقاتلون بداعش من أجل ترتيب شؤون أنظمة الحكم وبدءاً بالعراق، ولكن بالتوافق مع إيران وتركيا. وفي هذا نستهزئ من نظرية المؤامرة، وأن مجزرة الصحفيين عقابٌ على مشاركة فرنسا في الحرب على الإرهاب، أو أن الأمر تمّ بتحضير استخباراتي من النظام السوري لإعادة تأهيله، وليكون شريكا في الحرب ضد الإرهاب كما قال بعض المثقفين السوريين النجباء.

أطلقت أميركا موعداً لمؤتمر جديد ضد الإرهاب في الشهر القادم، مستغلة المجزرة، لتكرس فهماً استشراقياً بين الشرق والغرب وبين المسيحية والإسلام، يقول إن الإرهاب مصدره ديني، وهو الإسلام، وبذلك تتهم أمريكا وفرنسا وأوروبا كافة المسلمين في العالم والعرب وقرآنهم باعتباره مصدراً للإرهاب.

أميركا تعكس الآية كاملةً، واقعياً سيكون العرب والمسلمون خزاناً كبيراً للمجموعات الجهادية ما دامت الإمبرياليات تتحالف مع إسرائيل وإيران وروسيا للإجهاز على العراق وسوريا وتؤهل الأنظمة باسم الحرب على داعش، ربما المجزرة بتأثير الحرب على داعش وربما للاستخبارات دور ما فيها، ولكن ذلك لم يكن ليتحقق لولا السياسات الفاشلة لأميركا وفرنسا، ومنها عدم إشراك “المسلمين” في أوروبا والغرب عامة، في الحياة الغربية، وها هي تساهم في إدخال ليبيا وسوريا واليمن والعراق في حروب أهلية وفيها جهاديون يلعبون دوراً كبيراً.

الخفة في التحليل مساهمة في المجازر المتنقلة بدءاً بسوريا والعراق وليس انتهاءً بفرنسا.

16