مجزرة نيوزيلندا تفضح أشواقا مكبوتة إلى انتقام عكسي

ليست العلمانية جنة الله في الأرض لكنها الصيغة البشرية الديمقراطية الأكثر حداثة وقابلية للمساءلة وبهذه الصيغة يحتمي المسلمون الهاربون من الخوف والفقر في بلادهم.
الخميس 2019/04/11
الضمير الإنساني يرفض العنف

‏كما لا تختبر قدرة الإنسان على الزهد إلا في حال الثراء، فلا يعوّل على ضعيف يلحّ على التسامح. خطاب التقية لا يخص طائفة أو أتباع دين محدد، وإنما هو سلوك إنساني مؤقت يلوذ به المستضعف، ثم ينسفه حين ينجو ويبلغ شاطئ القوة. ولكن كثيرا من السفهاء يعلنون عن أشواق مزمنة، أجّل الاستضعاف إبداءها، فوجدوا في ديمقراطية الغرب «العلماني الكافر» سعة تسمح لهم بالتعبير، مثلا، عن استحقاق الإسلام أن يظهر بالقوة المسلحة «على الدين كله». وقد سمعت في برنامج فضائي سؤالا موجها إلى شيخ عن شعوره، حين رأى برج إيفل للمرة الأولى؟

أعلم أن أمثال هذا الشيخ لا يؤمنون بمفهوم الوطن، ويستهينون بدلالات رموزه مثل العلَم، وكان يرتدي ثيابا يظنها من أركان الإسلام. هو حرّ في ما يرتدي أو يعتقد، وإن كان بعض المعتقدات يحجب الرؤية، ويصرفها عن تأمّل المعمار الصرحي لبرج إيفل، والبحث في ما وراءه من نظريات الهندسة وميكانيكا حركة الزلازل والرياح، وهي أمور تذكّر المسلم الحق بقدرة الله الذي هدى عباده إلى نور العلم.

وقد عميت بصيرة الشيخ عن هذا كله، وبزهو الطاووس أجاب عن السؤال قائلا إنه يحلم بيوم يرتفع فيه الأذان من فوق هذا البرج، ويأمل أن يكون هذا قريبا. ليست العلمانية جنة الله في الأرض، ولكنها الصيغة البشرية الديمقراطية التوافقية الأكثر حداثة وقابلية للمساءلة وتصويب أخطائها. وبهذه الصيغة يحتمي المسلمون الهاربون من الخوف والفقر والاستبداد في بلادهم.

وللمسلم العاقل أن يتدبر نهوض «الدولة» في الغرب والشرق على أسس بشرية، لا يختلط فيها النسبي بالمطلق، ولا يُحاكم فيها الأول بمعيار الثاني الذي لا يحق لمخلوق، بعد النبي، أن يدّعي امتلاكه والنطق باسمه. ولهذا المسلم العاقل أن يعيد النظر في يقينه بمأثورات عن «الإمامة» و«الدولة الإسلامية» و«دار الإسلام» و«الغزو واقتسام الغنائم» و«فقه الردة»؛ فهذا كله لم يمنحه الأمن والعدل الذي تحققه له النظم العلمانية، إلا أنه في أول فرصة للاستقواء، بعد الاطمئنان إلى ما تؤمّنه له الديمقراطية من لجوء وحقوق مدنية ودينية، يبدي كراهية لهذا الغرب الذي يُلحق به دائما صفتي «العلماني الكافر»، وينتظر فرصة الانقضاض عليه؛ بحجة أنه استنزف سابقا خيرات بلاد المسلمين، ولا يشغله لاحقا إلا القضاء على الإسلام. مأثورات «الدولة الإسلامية» ليست مجرد مقولات عابرة، وإنما تصل إلى مرتبة العقيدة، وتسفر عن نفسها في نوبات الغضب، كلما مسّ العصبَ العاري لدى هؤلاء حادث إرهابي عنصري.

فبعد نشر مقالي «فلسفة نيتشه وحلم هتلر حاضران في مجزرة نيوزيلندا» في صحيفة «العرب»، 3 أبريل2019، لامني البعض في رسائل حادة، واتهموني بالتهاون مع أفكار تدفع إرهابيا شابا إلى قتل 50 مصليا في مسجدين بمدينة كرايستشيرش، الجمعة 15 مارس2018، واستخرجوا من الأضابير تراثا من جرائم الغرب «العلماني الكافر» في حق بلاد المسلمين، ناسين آيتي «ولا تزر وازرة وزر أخرى» و«كل نفس بما كسبت رهينة»، ولم ينسوا الاستشهاد بآية «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم»، وأهدروا سياق نزولها، وأن اليهود لا محل لهم في مجزرة نيوزيلندا، ولا محل أيضا للمسيحيين، بل إن الديمقراطية التي يتهمون أهلها بالعلمانية والكفر تتدارك ثغرات تؤدي إلى مثل هذه الجريمة، منعا لتكرارها، وكان أداء رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن إنسانيا ينصف الضحية، وينكر على السفاح الإرهابي ما حلم به من تحقيق الشهرة بذكر اسمه، واكتفت بوصفه بأنه مجرم قاتل إرهابي.

تنظيم داعش ليس ابن سفاح، إلا إذا اعتبرناه كذلك بالنظر إلى تعددّ آبائه. وفي كتب الفقه ما يدعم سلوكه، استنادا إلى اجتهادات تنتمي إلى مراحل المدّ الإمبراطوري الإسلامي، ولا تعنينا الآن

وعلى الرغم من الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية، فالعالم اليوم أكثر رشدا من أي وقت مضى. لم يعد مسموحا لأمثال أدولف هتلر بالظهور وإبادة مئات الآلاف وإشعال حرب كونية تزهق أرواح الملايين. وليس التاريخ الإسلامي بريئا من جرائم ضد الإنسانية، فجيش سليم الأول كما يسجل المؤرخ ابن إياس الحنفي دخل مصر، في يناير1517، ومارس على الشعب الأعزل حرب تجويع، فنهب الغذاء والممتلكات، وخطف رهائن من البيوت والطرقات لمقايضتهم بالمال، وشهدت القاهرة في أربعة أيام إرهابا داميا، وتطايرت رؤوس القتلى «فصارت جثثهم مرمية على الطرقات… فوق العشرة آلاف إنسان».

ومنذ موقعة الجمل لم يجفّ نهر الدم، وجرت فيه دماء حروب أهلية إسلامية طويلة المدى بين جيوش، وأخرى قصيرة المدى شنّتها مجموعات تقتل على الهوية والهوى، وهناك قصة مشهورة بعد موقعة صفين، كان ضحيتها صحابيا واليا للإمام علي على بعض البلاد، ومرّ بجماعة من الخوارج ومعه امرأته مثقلة بحملها. سألوه: من أَنت؟ فأجاب: “عبداللّه بن خباب بن الأرت صاحب الرسول محمد”. سألوه عن أَبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فأثنى عليهم. سألوه: ما تقول في التحكيم

 فقال إن عليا أعلم بكتاب الله منكم، وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا له: إنك لا تتبع الهدى، وإنما تتبع الرجال على أسمائهم. وذبحوه وذبحوا امرأته وبقروا بطنها عن ولد. ومن المفارقات أن واصل بن عطاء مرّ بهم، وكان قد تعلّم الدرس، وسألوه: من أنت؟ فأجاب: مشرك مستجير بكم، ودينكم يقول «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه». فقالوا: أجرناك. فقال: هذا لا يكفي حتى تسمعوني كلام الله، فأسمعوه وأوكلوا إليه من يحرسه حتى يبلغ مقصده.

تنظيم داعش ليس ابن سفاح، إلا إذا اعتبرناه كذلك بالنظر إلى تعددّ آبائه. وفي كتب الفقه ما يدعم سلوكه، استنادا إلى اجتهادات تنتمي إلى مراحل المدّ الإمبراطوري الإسلامي، ولا تعنينا الآن. والذين لم تؤرقهم جرائم داعش، جعلتهم مجزرة نيوزيلندا يعبرون عن حنين إلى الغزو، ويسوّغون الانتقام العكسي، ردعا لمن يعتدي على المسلمين. وقال لي أحدهم إن ترك الجهاد أدى إلى اجتراء الإرهابي على المصلين ودينهم.

شيء من التعقّل يمنع تكرار الجريمتين الأصلية والعكسية المحتملة. الأولى يرفضها الضمير «الإنساني» الغربي المسيحي العلماني، ووقوع الثانية ينعش لدى المهووسين بالغزو شعورا بإنكار حاضرهم، ويتمادون في الانتماء إلى أزمنة الفتوحات الإسلامية، ويعلقون آمالهم بإحدى صيحتين «وامعتصماه»، «واأندلساه».

13