مجلات الأطفال فقدت البوصلة في بث القيم النبيلة

حققت مجلات الأطفال منذ سبعينات القرن الماضي، وحتى بداية الألفية الحالية حضورا فاعلا في المجتمعات العربية، من خلال العشرات من المجلات التي خلقت عوالم خيالية مثالية ألهبت مخيلة الأطفال فارتبطوا بها وبشخوصها، واستقوا منها مجموعة من القيم النبيلة. لكن ما لبث أن انكمش بعضها، فأعلنت التوقف، في حين عانت المجلات المستمرة من تراجع حاد في التوزيع، لعدة أسباب على رأسها الزحف التكنولوجي الرهيب، الذي حوّل الأجيال الجديدة من القراءة إلى الألعاب التفاعلية.
الجمعة 2015/11/20
الزحف التكنولوجي حوّل الأجيال الجديدة من القراءة إلى الألعاب التفاعلية

القاهرة- أكد أحمد اللباد، رسّام ومدير تحرير فني سابق لمجلة “علاء الدين” القاهرية، أن مجلات الأطفال فقدت البوصلة فلم تعد تعرف لمن تتوجه بالضبط، ونسيت وسط خطوات تطويرها المحموم دورها الأساسي والمفترض أن تعبر عنه، فأصبحت لا تذهب إلى أي اتجاه، بالتالي فهي لا تتحرك فعلا وإنما تدور في مكانها، وتنتج صخبا وضجيجا لإثبات الوجود فقط، وتبقى تُنتج في عملية عبثية تصدر بالقصور الذاتي.

المجلات، وفقا لما قاله اللباد لـ”العرب” واحدة من أشكال الإدمان الحميدة التي تصيب الأطفال، عندما تصبح مصدرا حقيقيا لتعريفهم بتجارب الآخرين المختلفة، وكذلك تعريفه على نفسه وموقعه من العالم، وعلى أشواقه المشروعة، وسيبتعد عنها بالتأكيد، كما هو حاصل مع مجلات كثيرة الآن، عندما تعامله بسلطوية، أو تستخف به، أو يرى فيها استسهالا وتمريرا بلا احترام حقيقي له باعتباره طفلا صغيرا.

ويرى اللباد أن معظم المجلات تصدر الآن بلا هدف أو رؤية حقيقية، المهم أن تكون ملونة، وأبطال قصصها يكونون “شكليا” شبه أولاد هذا الوقت في قصات الشعر والسراويل الساقطة، بحسب النظرة الطبقية المؤسفة السائدة.

يحدث ذلك بقيم بصرية تقلد المدارس الأجنبية في الرسم بلا أي بحث في خصوصية، كأن تلك هي الحداثة، وقصصها مزيج من اللغو والتوجيه المباشر المكرر الذي يتوجه ليريح الأهالي، وتحقيقاتها واستقصاءاتها شكلية جدا لا تؤدي إلى تفاعل القراء مع واقعهم الحقيقي.

حالة الارتباك العام التي يمر بها مجتمعنا العربي، انتقلت كما يرى اللباد إلى مجلات الأطفال التي تمر الآن بكل أسف بنفس حالة التداعي والتفكك الذهني، مع غياب كامل لأي بوصلة، وغياب الإيمان بالفعل الجماعي، فضلا عن أن مجلات الأطفال ككل المشاريع المتخصصة تحتاج إلى مجموعات تديرها ذات رؤية، وكفاءة تقنية.

النقطة الأساسية في عزوف الأطفال عن المجلات المخصصة لهم، هو القصد التعليمي الوعظي المباشر، أما السبب وراء تراجع الهوية العربية، هو ذلك الترويج السلعي الفظ الذي يعتمد على (رشوة) الطفل القارئ بمادة مشوشة، لكن بلا أي تعب أو مسؤولية، ما يساهم في جيل من ذوي العقول السطحية، بعكس بعض مجلات الأطفال التي ظهرت في فترة الستينات، والتي لعبت دورا تنويريا كبيرا، وخاضت في تفاصيل الهوية المصرية.

وأوضح سامح حسان رسام الكوميكس لـ”العرب”، أن بعض المواد المبهرجة التي تقدم في مجلات الأطفال حاليا، قد تغري الطفل لفترة، لكنها لن تصمد طويلا، ولن يبقى متصلا بها سوى الأطفال الذين تغريهم تلك السهولة في الاشتباك مع موادها، لا أهمية المادة المنشورة بالفعل ولا معناها، وهو شيء مضر جدا للأسف رغم أنه تقريبا هو السائد.

الصغار يثأرون من بهرجة المجلات بالانفضاض من حولها

بداية ظهور مجلات متخصصة للأطفال كانت في مصر في منتصف القرن الماضي، حيث صدرت مجلة “سندباد”، عن دار المعارف القاهرية عام 1952 بعد عدة محاولات غير مكتملة لإنتاج مطبوعة مكتملة للأطفال، وتوقفت المجلة عن الصدور عام 1960، لكنها تركت إرثا ضخما أسس لهذا التخصص بجهد مهول من مؤسسها محمد سعيد العريان، ورسامها الكبير حسين بيكار، اللذين قدما ورشة دائمة ذهبية أخرجت العديد من الرسامين والكتاب اعتمدت عليهم المهنة العشرات من السنين.

ثم ظهرت مجلة “سمير” في فترة الستينات، ومجلة “ماجد” الإماراتية التي ظهرت في نهاية السبعينات، وقد قدمتا رؤية أحدث زمنيا، ويحسب لهما أنهما أطلقتا للحياة الثقافية متخصصين متنوعين أثروا هذا التخصص.

أما المجلات واسعة الانتشار مثل “ميكي”، أو التي تتحدث عن الأبطال الخارقين الغربيين (سوبرمان) و(الوطواط)، أو التي تهتم بالفتيات (الأميرات)، فتحظى بجماهيرية عريضة، حيث تعتمد مادتها على الترجمة، مع ما بها من إمتاع نتيجة الحرفية المهنية الجادة والطويلة، لكن مادتها التحريرية ليست لها علاقة بالواقع العربي، بالتالي فليس لها دور أكثر من الاستهلاك.

مع ذلك، يدعو حسان للتفاؤل تجاه هذا المنتج، لوجود جيل شاب مؤمن بما يقدمه مهنيا يتمترس خلف كل فرصة يستطيع نيلها، مشيرا إلى أن مرحلة السيولة الحالية نتيجة الأحداث والتغيرات الكبيرة التي تمر بها دول المنطقة سيكون لها أيضا جانب مفيد، وهو أننا سنضطر بالتأكيد إلى مراجعة ثوابت عقيمة كثيرة، وإلى رفع الحجارة المتكلسة منذ أزمان لنعطي الزهور الكامنة تحتها فرصة للتعرض للشمس والنمو الصحي.

وأضاف أن الجيل الجديد الذي أصبح أكثر معرفة وقدرة على التعبير ورفضا للاستكانة، سيطلب بطريقته ما يستحقه من إنتاج مكتمل، فالصغار يثأرون حاليا من المجلات “الشكلانية” بالانفضاض من حولها، ويوما ما ستخرج لهم المطبوعة الحقيقية التي تلبي وتحترم أشواقهم بجدية ومهنية.

بينما ترى منال عزام، كاتبة الأطفال بمجلة (ماجد الإماراتية)، أن هناك جيلا كاملا تربى على كومة من مجلات متخصصة، منحته ثراءً لُغوياً ومعرفياً، حتى تحول الفرد إلى خلية تفكير مستقلة، يصعب دمجها تحت ثقافة المنابر، أو سوقها خلف كثرة الكلم وضحالة الفكر.

وأضافت “لما كانت تلك المجلات النافذة الوحيدة على العالم آنذاك، فقد أفرزت أطفالا قادرين على التعبير عن أنفسهم باحتراف، على عكس هذا الجيل الذي فرضت عليه سرعة العصر وأدواته البصرية التي لا تعتني بالكلمة والحرف شخصية تفتقد النضج والعمق، وواكبت مجلات الأطفال وبرامجه هذا القصور فخرج الجيل لا يجيد القراءة أو الكتابة وبالكاد يعبر عن نفسه.

الآراء جميعها أشارت إلى ضرورة عودة مجلات الأطفال للأصول والجذور، بحيث تجعل منظومة التطور غير منفصلة عن واقعنا فلا تبحث عن كل غريب مستوحى من ثقافات أخرى لمجرد الإبهار، بصور منفصلة عن الواقع، من الكرتون الممسوخ.

21