مجلات الزي الشرعي في تركيا.. بهرجة إعلامية لإخفاء نوايا سياسية

انتشرت المجلات المتخصصة في “الموضة الشرعية” والتي تروج للباس الشرعي في تركيا، انتشارا يحمل مفارقات متعددة، تبدأ من سبب رواج هذه المجلات في مجتمع طالما عرف بتحرره انطلاقا من تراثه العلماني، وتصل إلى أن هذا الرواج الإعلامي هو بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة، أي أن اللباس الشرعي تحول إلى صناعة، وما وجود المجلات المروجة لهذا المنتوج إلا واجهة إعلامية لتلك الصناعة، وتنتهي بأن انتشار هذه المجلات المتخصصة لا يمكن أن يحصل إلا في ظل تشجيع رسمي مضمر.
الأربعاء 2016/02/03
جمال العدالة والتنمية

أنقرة - ترويج جميع أنواع البضائع يتخذ من الإشهار وسيلة للتأثير على المستهلك ليقتنيها ويقبل عليها وهو يخضع لمعايير مضبوطة في عالم التسويق، وعندما يتعلق الأمر بترويج نوع خاص من اللباس يحمل في طياته دلالات على الانتماء والهوية فإن العمل على ترويجه يخضع لمراحل عمل دقيقة من حيث اختيار كيفية التأثير على المستهلك، مثل التأثير على الشباب باعتماد أحدث صيحات الموضة وهم أكثر الفئات شغفا بالموضة والأناقة.

هذه الزاوية بالتحديد استغلتها مجلات الزي الشرعي في تركيا حيث تروج لهذا الزي عبر مواكبته للموضة من حيث التصاميم والألوان الحديثة، وهو ما يجعل الفتيات يقبلن عليه دون الشعور بأنه لباس ملتزم ينأى بهن عن الحياة العصرية وآخر اتجاهات الموضة النسائية.

ومن خلال ما تجده مجلات اللباس الإسلامي في تركيا من انتشار واسع جعلها تحقق مبيعات ضخمة وتحصد أعدادا متزايدة من الاشتراكات، فإن تساؤلات كثيرة باتت تطرح حول الأسباب العميقة التي تقف وراء هذا الانتشار.

ومن بين هذه التساؤلات ما يهم الجانب الاجتماعي والنفسي للأتراك: هل أصبح المجتمع التركي أكثر تدينا من ذي قبل؟ هل أن إقبال الفتيات على اقتناء مجلات الزي الشرعي وعلى ارتداء هذا النوع من اللباس ينبئ بأنهن متدينات فعليا أم أنهن يواكبن الموضة فحسب؟ كيف أمكن لهذه المجلات التي تروج لموضة شرعية أن تحقق رواجا واسعا وتكتسح السوق بشكل سريع؟ ما هي العوامل التي تسهل على أصحاب هذه المجلات تأسيسها وتسويقها والنجاح في جني الأرباح من ورائها؟ هل تحظى بدعم اقتصادي سياسي؟ ولماذا هذا الدعم؟

كثيرة هي المناطق والمدن والعائلات المعروفة بكونها محافظة ومتدينة، وبالتالي فإن النساء المنتميات لهذه العائلات يرتدين غطاء الرأس والملابس الفضفاضة، وهذا إحدى سمات نمط عيشهن المعتاد، وفي فترة زمنية غير بعيدة كان الحجاب يمثل مشكلة للمتدينات حيث يحول دون دخولهن الجامعات والمؤسسات الحكومية ويمثل وسيلة لإقصائهن، لكن منذ وصول حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية للحكم بدأ ظهور المرأة مرتدية الحجاب بأنواعه يتسلل شيئا فشيئا للمؤسسات الحكومية والمنابر الإعلامية، ولعب ظهور زوجات رجال السياسة البارزين بالحجاب دورا هاما في ذلك، ومع صعود رجب طيب أردوغان إلى منصب الرئاسة وظهور زوجته في المحافل المحلية والدولية بالحجاب بات الأمر أكثر قبولا سواء في الداخل التركي أو خارجه.

يواكب انتشار الزي الشرعي وبروز الأبواق الدعائية له وإقبال عارضات الأزياء على ارتداء آخر صيحاته رواج صناعة وتجارة جديدتين تتخذ من اللباس الملتزم مادة أولية تتفتحا سوقا يسيطر عليها كبار التجار ورجال الأعمال وكبار المصممين وأصحاب مصانع اللباس، وهو ما ينتقده رجال الدين الأتراك المحافظون الذين يصفون تسويق الزي الشرعي وتصميماته المواكبة للموضة وإدخال الألوان والأنواع الجديدة من القماش عليه، بأنه ابتعاد عن روح الدين الإسلامي الحقيقية التي تتسم بالبساطة في المظهر وتجنب المثير من الأقمشة والألوان والزينة خاصة في مظهر المرأة مع التركيز على الجانب الروحي وممارسة العبادات.

مظاهر التدين والأسلمة تسللت عبر جميع الأبواب المتاحة لتدخل إلى البيت التركي وإلى رفوف الملابس

هذه الانتقادات لم تحل دون تطور قطاع صناعة الأزياء الإسلامية وبالتالي تطور تسويقه عبر استعمال مجلات الزي الشرعي التي تجعل الفتيات يقبلن على اقتناء هذه الأزياء مواكبة للموضة سواء كن متدينات فعليا أم لا، وهو ما أثر على المشهد التركي عموما، فتركيا المعروفة بالانفتاح والتنوع والتي تمثل وجهة سياحية بارزة في المنطقة حيث تشهد توافد سياح من أوروبا كما من الدول العربية وغيرها، أصبحت تعطي انطباعا مختلفا عما عرفت به، فانتشار تلك المجلات التي تروج للباس الشرعي جعل التركيات يرتدينه في جميع الأماكن، وهو أمر بات ملحوظا خاصة بالنسبة للأجانب الذين يعرفون تركيا في ثوبها العلماني المتنوع والمنفتح. ظهرت ماركات مختصة في الزي الشرعي كما دخلت ماركات عالمية على الخط، بعد رفع حظر الحجاب لتظهر ثقافة جديدة في اللباس تروج لها مجلات الموضة التي تهتم بأحدث تصاميمه.

وفي السنوات الأخيرة، دخلت الماركات العالمية إلى سباق موضة اللباس الإسلامي وذلك مواكبة للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي شهدته تركيا، حيث تسللت مظاهر التدين والأسلمة عبر جميع الأبواب المتاحة لتدخل إلى البيت التركي وإلى عادات أفراده ورفوف ملابسهم.

وانتشرت مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي التي تركز على بيع ذاك الزي والترويج له، بالتوازي مع رواج مجلات اللباس الشرعي التركية مثل مجلة “آلي” التي تحقق أعلى نسبة مبيعات، وقد دخلت هذا المجال في عام 2011 وكانت تستهدف الفئة العمرية من 35-18 سنة، وكذلك مجلة “عائشة” التي تعمل على تقديم موضات الزي الشرعي والتي كانت قد نشرت عام 2014 ملفّا كاملا عن السيدة الأولى في تركيا أمينة أردوغان احتوى على تفاصيل كثيرة عن حياتها الخاصة ولباسها.

كما نجد مجلة شهرية تحمل اسما عربيا يذكرنا بأولى آيات الوحي من القرآن وهي مجلة “اقرأ” وتحتوي على مضامين إسلامية صرفة ومنها المواضيع الصوفية والمواضيع الاجتماعية الهادفة والموضة الإسلامية.

قطاع الزي الشرعي في تركيا بات قطاعا اقتصاديا شاملا، وهو في أوج الازدهار لما يحققه من نجاح وانتشار إعلامي وفني وصناعي وتجاري، وهو ينشط ويتطور بشكل سريع وبآفاق مفتوحة ما يفضح ما يلقاه من دعم سياسي مضمر يوفر له مناخا ملائما للنجاح والرواج ليمس أكثر عدد ممكن من المستهلكين، وينشر الزي الإسلامي بما يتماشى ونوايا الحزب الإسلامي في تكوين مجتمع متدين كما يريده الحزب الحاكم الذي يسيطر على مكينات الإعلام والإشهار، كما يسيطر على الاقتصاد والأسواق.

12