مجلة "الجديد": المعلوم المبني للمجهول

الأحد 2015/02/22
المجلة تريد أن تحمل أطلس الحطام العربي وصخرة سيزيف معا

قبل نصف قرن، ظهر كتاب ميشيل فوكو “الكلمات والأشياء”، مشيرا في نهايته المجلجة، من خلال سيستامه “الأركيولوجي” إلى ما يخيف قارئه: حداثة عهد الإنسان، نهايته القريبة: إنسانه الغربي أولا.

كان ذلك تجاوبا من لدن فوكو مع مستجدات عصره، مفصحا عن الدخول في عصر مغاير لهذا، يكون فيه الإنسان مغايرا، كما لو أنه يدشن لإنسان هو سلفه وخلفه في آن، قيامته وإقامته معا، إنما في العمق، يتراءى راسما عالما تفرض فيه الأشياء نفسها: معلومها الذي تأرشف لدينا، ومجهولها الذي يقوّض أساس الأرشيف، بحثا عن لغة تتناسب وما هو منتظر، لتكون الكلمات مغامرة، والناطق رحالة متعدّي الحدود.

في مجلة “الجديد” التي شهدت عاصمة الضباب اللندنية ولادتها الأولى، مع بدء الشهر الثاني من عام 2015، وهي ناطقة بالعربية، وللأنكليزية محل إقامة في حيّز منها، ثمة مغامرة تسمّي عالما منتظرا، يشير إلى العالم العربي وهو نهب قياماته، رهينة مخاض مقاوم لرحمه بالذات، يتنازل المعلوم والمجهول على المكان ومداخله الزمان، والذين شهدوا الظهور الأول للعدد البكر، منفيون طوعا أو كرها عن بلاد هي عالمهم الأول، ومأهولون ببلاد مرسومة بطرق شتى، تسمّي عالمهم الأول، دون إخفاء سلطة الأشياء وهيبتها.

مجلة “الجديد” تذكّر بالقديم. ما القديم هنا، ليكون حديثا عن الجديد؟ ربما هو الوضع الكارثي في العالم العربي، ولا بدّ أن يكون هناك شيء أو أكثر من ذلك. إزاء المتقدم، لن تكون “الجديد” ولادة دون أب، دون رحم معيّن بمكوناته الثقافية. تلعب الترسيمة الدعوية دورا معتبرا في التقديم والتعريف، ولا أعتقد أن ثمة مهربا من ذلك. نحن إزاء صرخة معمدانية بصورة ما تقرّبنا من نسب “الجديد”، وتحديدا، حين نستعيد مسوّغات تلك القائمة من المنابر الثقافية “المجلاتية” التي سمّتها المجلة في الفقرة الأخيرة لها.

ربما أمكن القول أن كلمة “الجديد” تخفي “محدثة” معينة، إنها بدعتها بالمعنى الأوسع للمفهوم، دون ذلك يستحيل الإصغاء إلى هذا الصوت المكتوم، المكبوت، المطارد، المنفي، الممزق، النازف، إلخ.. ربما جاءت “الجديد” ساعية إلى تفعيل معناها، وهي لا تخفي مغامرتها، والمغامرة هي تعدّ للتأصيل، للقاعدي، ولعلها تقترب هنا من “ثورة الهوامش”، دون ذلك كيف يمكننا تبيّن هذا التأهيل القرابي- المأساوي بين الذين تنادوا أو تخطوا العتبات الساخنة لأهواء ومناخات تحزبية، وتمذهبية، كما لو أن عاصمة الضباب، بتاريخها المغامراتي ناريا، أسهمت في تثوير قوى لرؤية أمثلة خلل الضباب؟

تعتمد “الجديد” خاصية المغامرة، تلك هي شارة العمل المفتوح، وهي مغامرة مفتوحة إذن، أعني لا بدّ أنها ستعيش مخاضا دائما، طالما أنها مغامرة، وذلك هو الرهان الأكبر: كيف يمكنها أن تتمثل “أبونواس” الذي حفظ عشرة آلاف بيت، تبعا لنصيحة أحدهم، كما قيل، ثم جاهد لنسيانها، استمرارا للنصيحة تلك أيضا، ليكون شاعرا، وقد أصبح شاعرا “مفلقا”؟

تخطيط ساي سرحان

“الجديد” في التحرك صوب جديدها، وهي تحمل “أطلس” الحطام العربي، والعنف الدموي العربي، والتحدّي الشعبي العربي، والأمل العربي المجتبى -عنقاؤه ضمنا- دون أن تتجاهل صخرة “سيزيف”: التخوف من أن تنحدر الصخرة: الرهان، إلى أسفل الوادي، وقد قاربت نهاية المرتفع، وثمة غوايات مضلّلة، ثم أنفاس محسوبة، ثمة مناوشات واشتباكات، وخوض صراعات، وللضباب أغواره وأطواره ومتاهاته، وفي لغة التقديم لها، ليس ما يعد بالوصول، لأن رهان “الجديد” شأن كل مجلة ترفض الآبائية بالمعنى التقييدي لروح الإبداع والكتابة التنويرية، والمتبصرة، هو في عدم تسمية خط النهاية، لأن لا حدود لهذا المنطلق، وهذا يضاعف من سخونة المغامرة وبدعتها وفتنة صنعتها.

تطرح “الجديد” نفسها دون تأطير، وإلا لناقضت نفسها، دون تلويحة لأيد تتباهى بمواقع شهرة كتابة ومقام ذات، وإلا لأعدمت مضمونها، دون مسايرة لطرف أو آخر تحت تأثير غواية محتسبة، وهذا ما يستدعى إلى البال مباشرة، هذا ما يفصح عن الحمولة المغامراتية، وتلك الرقابات المتابعة لها عن بعد وعن قرب، وما يخص هذا المحسوب على “اللامفكر فيه”، أو “المحظور تداولا”، ومن بين مستلهمات الركام والآلام.

بين بداية حطامية، ونهاية استنهاضية واستماتية، يلعب الدال اللغوي لعبته، ويواجه موته في كل لحظة، كما لو أنه يتحرك على حلبة مفتوحة، وسط كمّ لا محدود من الأصوات والأنظار، وبؤس الثقافي شاهد عيان هذا الدال المطعون في روحه، ومن يكونون ضحاياه ومراياه، حيث التحدّي المضاعف أنّى التفتت “الجديد” وما تكونه في انتظار اسمها، وهي تبرز جمهرة آذان، فضاء جهويا منزوع الحدود، رغبة في استنطاق المغيب، إنها بالطريقة هذه، تستدعي إلى الذاكرة القريبة، مجلة “الناقد” ذات السنوات السبع اللندنية مخاض نشأة والعربية مسبّبات ظهور، وهي في تنوع موضوعاتها وأبوابها ومغامراتها المؤرشفة، وعلى خلفية ما كان دائرا عربيا حينها، سوى أن الدائر الآن عربيا مريع، وبالتالي، يكون المتبنى أكثر من مغامرة في الوقت الذي بات المثقف أو الكاتب العربي إجمالا يعيش احتضاره الدلالي منذ أكثر من عقد، بالطريقة هذه تجد “الجديد” نفسها، في وضعية رهان مع ما رغبت في انبعاثه، وأرادته واقعا يترجم طموحها.

بقدر ما أن “الجديد” أشبه ما تكون بشركة مغفلة من الاسم، إلا أنها لا تخفي اسمها، من خلال العائدة إليه، سوى أن الجائز قوله هو تحفيز الآخر: فكل من يهتمّ بالكتابة، وبالإبداع، تكون “الجديد” جديده، منتظرة صوته، إمضاءاته، خصوصا وأنها لا تستظل بظل قيمومة اسم ما، كما لو أنها تمارس إيقاظا لكل طاقة إبداعية، أو فكرة قد تسمّي ممرا، نفقا، وتضيء نهايته، وهو الجانب المؤثر جهة الفاعل الوجداني الذاتي.

ربما أمكن القول في النهاية المفتوحة أن “الجديد” لا تتموقع في أفق رغبتنا، إن رمنا تحوّلا نوعيا، إنما تترجم كينونتنا التي نريدها فاعلة في الحياة، لنشدّ رحالا إليها، ونسهم فيها، أو نأمل أن تكون جديدا حقا!

13