مجلة "الجديد" وهجة نور في حلكة الظلام العربي

الأحد 2016/08/14
فكرٌ حرٌّ وإبداعٌ جديدٌ

بزغت مجلة “الجديد” كمثل بقعة ضوء وهّاجة وسط عتمة مشهدنا الثقافي المحبط في زمن غياب العديد من المجلات الثقافية العربية التي كانت معالم تنويرية بارزة في المشهد الثقافي العربي، تهاوى بعضها وتوقف البعض الآخر، صدرت مجلة “الجديد” في مرحلة حرجة تعيشها المنطقة العربية التي نهضت فيها الأصولية الدينية والطائفية وتشظت الهويات والأوطان وتشرد مواطنوها بين جهات الدنيا بحثا عن خلاص فردي حين صار الخلاص الجماعي من مستحيلات هذا الزمان.

ضاءت أفقنا مجلة “الجديد” بجمالها وجرأتها شأن جميع المغامرات الثقافية التي تصنع فرقا بين ما سبقها وما يتبع ظهورها المميز فهي جديدة تماما في أسلوب عملها وطروحاتها متخطية الصيغ التقليدية الجامدة في سياقات عمل المجلات الثقافية المعروفة التي غالبا ما كانت تعمد إلى التجميع لا التكليف المبرمج في إعداد موادها ، فظهرت “الجديد” بإخراج فني يميزها عن المجلات الأخرى معززة إهابها الفني الجميل بأداء فكري غير مسبوق، واستقبلها القراء مثل جرعة رحيق عذبة فهم الظامئون لثقافة متحررة تتحرى الابتكار والجدّة وتتجاوز ركود الواقع الثقافي العربي وجمود المطبوعات الخاضعة لأمزجة الأنظمة المموّلة وتحفظاتها وانتكاساتها واختفائها المباغت.

منذ عددها الأول توجت “الجديد ” غلافها بعبارتها الواعدة (فكرٌ حرٌّ وإبداعٌ جديدٌ) وحققت وعودها وهي تبوح بهويتها الثقافية: مجلة متفردة انطلقت في اكتمال نضجها لحظة ولادتها واحتلت موقعا مميزا في ذاكرة قرائها وذائقة الباحثين عن فكر حر تنويري وجريء في فترة تجاذبات سياسية حرجة بالغة الخطورة وتوجهت نحو مجتمعات عصفت بها أعاصير التجهيل وتسيّدت فيها النزعات الغرائزية والإرادات المتصارعة لتصنع الجديد صدعا ضوئيا في المشهد الثقافي.

نجحت “الجديد” خلال مسيرة عام ونصف العام من عمرها وتسعة عشر عددا غنيا من أعدادها أن تكون قارب نجاة حقيقيا للثقافة المغايرة وتغدو ملاذا للكتاب والمفكرين العرب بعد أن عزّت الملاذات الحارسة للفكر العربي والثقافة الرصينة والإبداع الجديد، وحرصت “الجديد” على تقديم ملفاتها اللافتة وسجالاتها الفكرية المعمقة ودراساتها الأصيلة لقضايا الثقافة العربية الراهنة. فكم مجلة من طرازها نحتاج كزوارق نجاة لنعبر بحر الظلام المتلاطم الذي يهددنا بابتلاع الذاكرة وتعطيل العقل وترويج التفاهة؟

مجلة (الجديد) نجحت خلال مسيرة عام ونصف العام من عمرها وتسعة عشر عددا غنيا من أعدادها أن تكون قارب نجاة حقيقيا للثقافة المغايرة وتغدو ملاذا للكتاب والمفكرين العرب

نقرأ في افتتاحية العدد الأول “تولد مجلة ‘الجديد’ لتلِمّ بالجديد المغامر والمبتكر، أدباً وفكراً، وتكون منبره، لئلا تبقيه يتيماً، تعطيه الفرصة التي يستحقها المستقبل من الحاضر، وتؤدي له واجب الجديد نحو الأجدّ. لن تكون ‘الجديد’ منبراً يعيد القديم، أو يبشّر به، وإنما هي منبر يدعو إلى استئناف المغامرة الفكرية والجمالية الخلاقة التي بدأتها الثقافة العربية في أبهى لحظاتها، وأكثرها عصفاً فكرياً، ونزوعاً جمالياً نحو التجديد والابتكار خلال قرن من مسارات الحياة الفكرية والأدبية العربية، ومن خلال احتضان الكتابة الجديدة والتسليم بحرية الكاتب وجرأة البحث، وحوار الأفكار”.

وكما بشرت “الجديد” في افتتاحيتها الأولى وكما وعدت قراءها ها هي تستأنف المغامرة الفكرية والجمالية الخلاقة التي تراجعت وأصابها الوهن في مشهدنا الثقافي العربي بخاصة بعد الحوادث المفصلية في المنطقة العربية وزلزال التحولات التراجيدية المتتابعة، بدءا باحتلال العراق الذي أدت موجاته الارتدادية العنيفة إلى تهاوي أنظمة عربية عديدة، وظهور ما سمّي بثورات الربيع العربي، هذا الاحتلال الذي أفضى إلى تفتيت المجتمع إلى كيانات وجماعات متناحرة متقوقعة في غيتوهات تسوّرها الكراهية والخوف واستنهاض الهويات الفرعية وتفضيلها على المواطنة كهوية جامعة، مثلما أدى ذلك الاحتلال إلى تشظي الثقافة الوطنية والتصادم العنيف بين عناصرها وأجّج تنازع الإرادات التي استيقظت غرائزها الأولية واستنهضت ثقافة العنف وإقصاء ثقافة الآخر المختلف وترويج النزوعات الماضوية، وبدت صورة الثقافة العربية غاية في التشوّش والإحباط بخاصة بعد اختفاء العديد من المنابر الثقافية التي تأسست في ستينات القرن الماضي ونمت في سبعيناته وتهاوى بعضها في ثمانيناته وقاوم البعض منها في العقود اللاحقة.. غير أن صدور مجلة “الجديد” بنهجها الممتاز وتواصلها مع مستجدات الواقع، أحيا الآمال بنهوض الثقافة المتجددة والفكر الحي ضمن حاضنة حرة تكرس حرية الرأي وتقدم الإبداع المختلف وتضيء المتاهات المعتمة المسكوت عنها وتكشف النقاب عن المعضلات الراهنة والتعقيدات الناجمة عن الحراك السياسي المشوّش.

تحية لمجلة “الجديد” وهي تواصل إبهارنا في كل عدد من أعدادها بمستواها الفكري والجمالي الرفيع وطروحاتها الرصينة وجرأتها واحتفائها بالإبداع المختلف والفنون المبتكرة. تحية لها وهي تتخطى بنجاحها وتنوعها وثراء موضوعاتها وجدّتها كل التوقعات وتمضي في مغامرتها الشجاعة وسط حقول ملغومة بالضدية والرفض العنيف لكل فكر حر.

كاتبة من العراق تقيم في عمان

13