مجلة "الحديث" صدرت عام 1927 ودافعت عن العقل والحداثة

الأحد 2014/06/08
سوق في حلب: زمن انطلاقة "الحديث" منبرا ثقافيا يتطلع نحو المستقبل

مثّلت المجلّات الثقافية العربية، منذ أن تأصّل نشرها في بداية القرن العشرين، منبرا ثقافيا تبارت فيه أقلام نخبة من أشهر الكتاب لتقديم مبتكراتهم الإبداعية، وفتحت لهم نوافذ أطلّوا منها على منجزات الغرب الفكرية والفنية وهو ما ساهم في تطوير أساليبهم الكتابية، ومكّن ثقافتنا العربية من تجسير علائقها مع ثقافات ما وراء البحر. ولعلّ مجلّة “الحديث”، التي صدرت بمدينة حلب السورية ما بين سنتيْ 1927 و1960، واحدة من أهمّ المجلات الثقافية التي حقّقت إضافة نوعية للإبداع العربي، ودافعت عن العقل والموروث الثقافي والحداثة معا.

في الأسبوع المقبل سينزل إلى المكتبات كتاب يؤرخ لهذه المجلة الرائدة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت. وقد خص المؤلف "العرب" بمقدمته.

حملت مجلة “الحديث” على عاتقها رسالة متميزة في الحداثة والريادة والتنوير العربي القريب في زمن أغبر. ولعل الدافع من وراء جمع مختارات مما نشر فيها وتبويبها هو انتشالها من إمكانية النسيان، خصوصاً وأن المجلة ذاتها أصبحت أو كادت تقبع في طي الكتمان. وإذا كانت المجلة قد قامت برسالتها خير قيام ووفرت الفرصة لصفوة من المثقفين والمفكرين والأدباء العرب لنشر أعمالهم الإبداعية، فحريّ بنا أن نقوم ببعض الواجب، على سبيل الوفاء ليس فقط نحو المجلة التي احتضنت تلك الأقلام المرموقة، بل أيضاً تجاه أصحاب الأقلام الذين وجدوا في مجلة “الحديث” متنفساً لإبداعاتهم التي كانت في أغلبها بواكير أعمالهم، انطلقوا منها، ومن خلال المجلة لاحقاً إلى الشهرة التي حلموا بها وهم يرون المجلة تقدمهم على صفحاتها إلى الجمهور في وقت هم كانوا في حاجة إلى من يعرّف بهم.

لقد علّمنا أولئك الرواد قبل رحيلهم الكثير ومن واجبنا أن نحتفي بهم. وهذا هو قصد هذا الجهد الذي يدور حول المجلة الغرّاء.

لماذا العودة إلى مجلة سورية، سورية وحلبية توقفت عن الصدور منذ خمسة عقود ونيف، لماذا العودة إلى مجلة طوى التراب أجساد كتابها؟ وهل لا تزال أعدادها سليمة في مدينتها حلب، أم أن الحرب الضروس قد حولت أوراقها مثل ما حولت أجساد العديد من أهلها إلى رميم؟

في العودة إلى مجلة بدأت في الصدور عام 1927 وتوقفت عام 1959 ما يستعيد حقبة مجيدة من حقب التنوير العربي الحديث، دافعت عن العقل والموروث الثقافي والحداثة، وتطلعت في السرّ والعلانية إلى مستقبل عربي تظلله المعرفة، وبلغة خارجة عن نص لغة هذا الزمان نطق بها طه حسين (الذي كان من أبرز كتاب “الحديث” طيلة مسيرتها) في مناسبات عدة.

وفي استحضار مجلة “الحديث” عودةٌ إلى مثقفين عرب مارسوا رسالة الثقافة، مسترشدين بالعقل والأمل والدفاع عن الصواب، بعيداً عن ثقافة التكسب التي ندد بها إدوارد سعيد، وبمنأى عن الربح الرخيص الذي يزهد بالموضوعية وبأخلاق المعرفة، ويطمئن إلى “ميزان القوى” الذي يحدد ما يقال وما يجب السكوت عنه!

وفي العودة إلى مجلة قضت، كانت تعبيراً عن التنوير الثقافي العربي، وركناً من أركانه، دعوة صريحة إلى عقد مقارنة بين الزمن الثقافي العربي الراهن والزمن الذي سبقه. وبداهة فإن المقصود هو الوفاء للسلف، بلغة معينة، والعمل على الربط بين الجهود التنويرية العربية الحاضرة والماضية، وليس المقصود رجم الحاضر من حيث هو، ولا تمجيد الماضي من حيث هو أيضاً، إنما المقصود إعمال العقل النقدي والمقارنة بين الوضع الراهن الثقافي وتصورنا لما يجب أن يكون.

كثيرة هي النواحي الإيجابية التي تشدنا إلى هذه المجلة التي وجدت مستقرها الآمن (آنذاك) في حلب الشهباء، والتي أشرف عليها مثقف عروبي نأمل أن تتوفر الفرصة مستقبلاً للاعتراف بفضله على مسيرة الثقافة العربية، خصوصاً عندما ترد في سجله مجلة “الحديث” التي جمعت حولها كُتّاباً عرباً من مختلف المنابت والأصول العربية، ومنحتهم فرصاً متكافئة في التعبير. وفّرت المجلة فضاء لكل عارف مستنير يسهم في اقتراح معين يحتاج إليه الفرد العربي الذي يتوق إلى أفق معرفي. هذا هو مثلاً دفاع محمود تيمور عن القصة القصيرة وتقصي أصولها في الآداب العالمية بل وفي المحلية أحياناً، علاوة على ما يقدمه نفسه من نماذج كتابية تجسّم اهتمامه بالموروث والقيم الإنسانية متجنباً الوعظ والإرشاد اللذين وصما كتابات القصة القصيرة آنذاك بالفشل.

وبعد لا يفوتني في هذا السياق إلا أن أقدم جزيل الشكر والعرفان إلى الناشر التونسي الحبيب اللَّمسي، صاحب دار الغرب الإسلامي، الذي وفّر لي أعداد المجلة المذكورة. أما الناقد المرموق الدكتور فيصل درّاج فله من صديقه كل تقدير واحترام لتشجيعه المستمر وتحفيزه على المضي في هذا المشروع المتواضع.

ولعل سامي الكيالي كان رائداً ثقافياً واعياً حقاً بدوره الريادي وفقاً لسياسة ثقافية لا تجهل مقاصدها محاولة البحث عن الجديد والتحرر من هيمنة العقم والجمود. ويوضح ذلك ما تضمّنته صفحات المجلة من مساهمات توفيق الحكيم عن المسرح الذي كان يتلمس طريقه في المشهد الثقافي العربي، وما جادت به قرائح الشعراء من شعر أمثال إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ونزار قباني وغيرهم.

وتوحي لنا مساهمات المجلة متعددة الأطياف أنها مشروع ثقافي كان يسعى إلى التكامل، إذ حاول صاحبها أن يجمع بين المشهد المحلي والعالمي بل والكوني أيضاً. هذا هو قسطنطين زريق يكتب عن القومية ومعنى التاريخ، مؤكداً أن القومية دعوة حداثية (وقد كانت فعلاً آنذاك) تقوم على عناصر حداثية عملية بعيدة عن الدعوات المجردة المعلقة في رياح الماضي ويوتوبية المستقبل. من هنا نجد المؤرخ المعروف يقف عند التربية القومية التي تشكل نسقاً من النظرية من جهة والممارسات الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى. لا غرابة والحال هذه أن تخصص المجلة محوراً (من بين المحاور الأخرى) لعبد الرحمن الكواكبي مستعيدة ما قاله عن طبائع الاستبداد مذكراً أن الكفاح ضد الاستبداد مقوم جوهري لا تستوي القومية من دونه. وإنه لمن قبيل المفارقة أن نجد الاستبداد يفتك بمسقط رأس الكواكبي بعد عدة عقود من الانشغال به والتنظير له وأن تصبح حلب الكواكبي مسرحاً للاستبداد بمعنى الكلمة.

وهذه النزعة الحداثية الشاملة هي التي ميّزت خطاب مجلة “الحديث”، وهي التي آثرت أن تكون الثقافة الإنسانية ضمن اهتماماتها، فنشرت دراسات عن شكسبير وفولتير وقضايا العصر الحديث لإبراهيم ناجي الذي أضاء فكر روسو مؤكداً ضرورة وجود المجتمع المدني. وضمن هذا السياق كتب توفيق الحكيم عن “تأثيرات الأدب الغربي الحديث على الأدب العربي”.

إمرأة ورجل من حلب مطلع القرن العشرين

وأبرز ما يميز خطاب المجلة هو محاربة الانغلاق الفكري والانفتاح على الآخر ورفض التبعية الفكرية والتأكيد على تعددية الثقافة (انظر على سبيل المثال ما كتبه مصطفى عبدالرازق عن ابن ميمون) التي سار العرب على نهج تعدديتها في العصور المزدهرة وقد حرصت المجلة أشد الحرص على التيمن باستذكار هذه التعددية ليس كماضٍ مجيد بل كممارسة في الحاضر.

تشكل “الحديث” وحدة فكرية مكتفية بذاتها، وتمثل مجازاً للمجلات العربية التنويرية التي حملت مشروعاً تنويرياً يترجم معنى الريادة والعروبة ووحدة المثقفين العرب والانفتاح على الآخر والدفاع عن الهوية الثقافية العربية بمنظور يتجلى فيه خطاب الحداثة الذي يستقصي البلاغة الجوفاء التي تغلق أبواب الحوار والتعددية.

نقرأ في مجلة سامي الكيالي نسقاً من المجلات العربية التي ازدهرت قبل “دولة الاستقلال الوطني” مثل الطليعة والدهور والطريق والكاتب المصري والآداب وغيرها. إذ لم يكن فيها المثقف يستعين بأسلوبه النزق وصخبه الإعلامي بل بمشروعه الذي هو مشروع الذات العربية المتعلقة إلى النهوض.

تجعلنا “الحديث” نستذكر بمشاعر مختلطة حلب الشهباء بفكرها المنير المستنير، ودمشق التي أفرد لها الكيالي مقالة خاصة تستحضر ماضيها وفرحها وانفتاحها المتفائل على المستقبل، والقاهرة التي كانت تمثل عاصمة للثقافة العربية وصوتاً عالياً رائداً.

أي شعور يخفق في صدر القارئ العربي اليوم وهو يقرأ مختارات من مجلة تتقاطع فيها مشاعر الشوق والحنين إلى الماضي (nostalgia): نزار قباني، ميخائيل نعيمة، أبو القاسم الشابي، إبراهيم ناجي، وداد السكاكيني، محمد حسين هيكل وغيرهم من الرواد؟ ما شعور القارئ العربي وهو يقارن بين الحاضر والماضي القريب؛ ما تبقى لنا ذاكرة احتفظت بها الحديث ليست لتؤرقنا طيلة الوقت بل لتجعلنا أحياناً نستذكر في يقظتنا أن من لا يعرف الماضي ويتعرف عليه في الحاضر لا يحسن التوجه إلى المستقبل.

أرادت مجلة “الحديث”، أن تكون ذاكرة ثقافية فرجعت إلى الماضي العربي وحاورته بمنظور مستقبلي، فبعد أن عاشت زمنها تحولت بدورها إلى ذاكرة من نوع خاص يستجير بها عقل نقدي متيقظ يحاور ما قالته في زمنها وينقد ما قالته في زمن لاحق ويفترض، في اللحظة عينها، أن الزمن الذي تلاها جاء بأسئلة مغايرة تلحّ على قراءة جديدة متجددة.

15