مجلة بانيبال في عددها الـ55 تضيء على الأدب السوداني المعاصر

في الوقت الذي يغرق فيه شطر كبير من العالم العربي في فوضى الحروب والدمار والانقسامات الطائفية والقمع والرقابة، يبقى الجانب الأدبي من الحياة العربية حداثيا وعلمانيا وتقدميا مستنيرا بصورة رئيسة، معبرا بصوت عال عن المهمشين، داعيا العالم بأسره إلى الإصغاء لما يقول. وقد ساهمت مجلة بانيبال منذ نشأتها في إبلاغ أصوات الكتاب العرب إلى العالم بترجمتها للأدب العربي، خاصة المهمش منه، مروجة له على نطاق واسع.
الخميس 2016/04/21
الأدب السوداني يتفوق على واقعه

لندن- تستهل مجلة بانيبال عامها التاسع عشر من النشر في عددها الـ55 ملتقطة السمات الأساسية للمشهد الأدبي العربي المعاصر، وللمرة الأولى في تاريخ المجلة، خصص هذا العدد برمته تقريبا لأصوات كتّاب من السودان، مع توفير المزيد من الترجمات والمقالات في موقع المجلة على الإنترنت، فضلا عن أنها تعد قراءها بنشر نصوص لثمانية أدباء آخرين من السودان في عدد الصيف.

قفزة رغم الغرق

على مدى السنوات القليلة الماضية واظب الكتاب السودانيون على إغناء المشهد الأدبي العربي بزخم متزايد من الأعمال، كما حصلوا على مواقع متقدمة في العديد من المشاريع والجوائز الأدبية العربية. وبوجود أغلبهم خارج بلادهم وإقامتهم في الدول العربية وفي أوروبا، أسهم كتاب السودان في خلق ما يشبه المشهد الأدبي السوداني الافتراضي، مشهد لا يمكن إخراسه أو فرض الرقابة عليه.

افتتح عدد بانيبال الأخير بمقدمة قصيرة كتبها أحمد الملك، والذي ركز فيها اهتمامه على حقيقة أن الكتّاب لم يعجزوا يوما عن العثور على نوافذ جديدة لنشر أعمالهم “على الرغم من التعقيدات والصعوبات التي تواجه مسيرة الآداب والفنون في البلاد” والتي تشمل “المصادرة الروتينية للكتب والصحف” وإغلاق معظم المنابر الثقافية.

كما قدم الكاتب عماد البليك بحثا عن “الرواية الجديدة في السودان”، مسلطا نظرة تاريخية على كتّابها الرواد في منتصف القرن العشرين، ابتداء برواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، التي تعد الآن من كلاسيكيات الرواية السودانية، مرورا بفترة من الشحوب والتراجع دامت من سبعينات القرن الماضي حتى تسعيناته وصولا إلى الألفية، عندما ازدهرت الرواية السودانية ثانية “بروح من الانفتاح والثورة الحقيقية”، رغم أن العديد من مؤلفيها يعيشون ويكتبون خارج البلاد.

العدد ضم فصولا من روايات وقصصا قصيرة بينما شارك فيه شاعران فقط هما نجلاء عثمان التوم ومحمد جميل أحمد

كما ساهمت في هذا العدد الكاتبة استيلا قايتانو التي ولدت في الخرطوم، ودرست الصيدلة في الجامعة وأصبحت كاتبة، وتذكر قايتانو أنها كانت تنزعج كثيرا من تقديم الناس لها باعتبارها “كاتبة جنوبية تكتب بالعربية”، في الوقت الذي كانت تعد نفسها كاتبة فحسب، كاتبة تكتب عن كفاحها لأجل التعامل مع الأطراف المتحاربة في السودان وعن انتقالها الإجباري إلى جنوب السودان بعد تقسيم البلاد، مختتمة مساهمتها بالتساؤل “أليس ما نحن فيه غرقا يفوق الجنون؟”.

ومثلت حالة النشر في البلاد، التي تعد واحدة من العقبات الكبيرة التي تعترض الكتاب السودانيين، محور مقابلة خاصة أجرتها بانيبال مع نور الهدى محمد نور الهدى، وهو واحد من كبار الناشرين السودانيين، ورئيس دار “عزة” للنشر، وقد وضح الناشر المشاكل التي تواجه صناعة النشر، من ارتفاع التكاليف، والافتقار إلى تحديث صناعة الطباعة، والحظر العشوائي للكتب من قبل الحكومة، إلى جانب عدم وجود المكتبات و”تزايد الأمية والفقر”، كل هذه عوامل عملت على تفاقم الوضع، كما يؤكد نور الهدى أن السودان يعد “أكبر وكر لاستهلاك الكتب المزورة” التي “تباع بنصف أو حتى ثلث أسعار الكتب الأصلية”. ويضيف أنه يأسف لحقيقة انعدام أي إرادة حقيقية لدى الحكومة هناك لرفع مستوى الناس من خلال اكتساب المعارف، لكنه يستدرك قائلا إن القارئ السوداني آخذ في التغير وأن الرواية “قد قفزت إلى المرتبة الأولى وباتت أكثر الأجناس الأدبية قراءة”.

إبداعات سودانية

العدد تناول شهادات وفصولا من روايات وقصصا جديدة وقصائد مختارة

كما ضم العدد فصولا من روايات وقصصا قصيرة بينما شارك فيه شاعران فقط هما نجلاء عثمان التوم، التي تنقل في نصوصها القارئ إلى أحزان مريم الموجعة وسيرها في الشارع المزدحم الساخن، ومحمد جميل أحمد، الذي يعرض في سلسلة من القصائد القصار صورا صارخة عن الصمت والمطلق والهمسات الموغلة في القدم والأسرار المسكوت عنها.

وساهم في العدد الروائي جمال محجوب الذي يعيد القراء إلى الواقع في رواية مشوشة عن الرحيل المفاجئ للدكتور جون قرنق، الذي لم يمض وقت طويل على تسلمه منصب نائب الرئيس في حكومة الوحدة الوطنية السودانية عام 2005، في حادث تحطم طائرة هليكوبتر أنهت آمال الكثيرين في بلد واحد موحد.

كما قدّمت بانيبال فصلا من رواية عماد البليك “شاورما” الذي نلقي من خلاله نظرة ممزوجة بعذاب الترقب على حكاية صبي صغير يهرب من المنزل، نلتقي به أول مرة وهو جاثم على سطح إحدى مقصورات القطار، جنبا إلى جنب مع عشرات غيره.

كما نشر العدد للقاصة رانيا مأمون، فصلا من روايتها “عبور”، إضافة إلى فصل من رواية حامد الناظر التاريخية “نبوءة السقا” حول كيفية مكافحة مجموعة من المضطهدين من أجل الخلاص من الأسر المالكة للرقيق وتأسيس مجتمع.

ونشرت بانيبال كذلك فصلا من رواية منصور الصويم “ذاكرة شرير” وبطلها الذي هو أكثر من مجرد إنسان يعوزه التكيف، بل هو الشر بعينه. ويستعيد البطل في هذا الفصل سنوات حياته المبكرة مع أمه المدمنة.

كما نجد في هذا العدد من المجلة قصة قصيرة مثيرة للاهتمام للكاتب حمّور زيادة، حول كيفية تعلّم إحدى القرى للتسامح والعيش مع الآخر المختلف، بعد وصول مجموعة من البدو الوافدين إلى البلدة، إضافة إلى قصة قصيرة كتبها أحمد الملك مليئة بالتحولات المفاجئة لبطلها، وهو شرطي عجوز. كما تطرح قصة ليلى أبوالعلا أسئلة كثيرة عن شخصيتها الرئيسة مريم وهل ستكون سعيدة بحق، في النهاية، حين تحبط خطتها للانتقام العنيف لموت والدها؟

ويتضمن هذا العدد أعمالا قصصية يشكل الأطفال شخصياتها الرئيسة، علاوة على قصة واحدة مكتوبة للأطفال بعنوان “النجمة الغيورة” التي كتبها عبدالغني كرم الله. أما قصة طارق الطيب القصيرة فتدور حول الفتى المعاق، حلمي أبورجيلة، وأصدقائه المهووسين بكرة القدم. في هذه القصة نجد مزيجا رائعا من تبجح التلاميذ المذعورين في ما بينهم وتأدبهم مع أمهاتهم.

14