مجلة حقوق الطفل عاجزة عن حمايته من العنف الأسري

تركيز التشريعات التونسية على الطفل المذنب والجانح فاقم التجاوزات في حقه حين يكون ضحية.
السبت 2020/01/25
التأديب لا يعني العنف

توالت ممارسات العنف الموجهة ضد الأطفال في تونس، على امتداد السنوات التي عقبت ثورة 14 يناير 2011، بطريقة ملفتة للانتباه وأصبحت الأسرة التي تعتبر الملاذ الآمن للطفل هي الفضاء الأول الذي يتعرض فيه للعنف بأشكاله المختلفة، ما يثير تساؤلات عن فاعلية تشريعات حماية حقوق الطفل في القانون التونسي وأوجه التقصير فيها لحماية الأطفال، وعن دور التغييرات التي شهدها المجتمع في السنوات الأخيرة والتي أدت إلى تفكك البناء الأسري بطريقة جعلت الطفل ضحيّة.

تونس - تداول روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، مؤخرا، فيديو لأم تونسية ألقت بابنها من سلم العمارة التي تقطن فيها وذلك لتوريط جارتها التي كانت دائمة الخصام معها، في جريمة ارتكبتها هي. استنكر الكثير من التونسيين هذه الحادثة، وألقوا باللوم على الأم التي لم تقرأ العواقب حين ألقت بابنها الذي لم يتجاوز عمره السنة ونصف على السلالم، وكان من الممكن أن يصاب بارتجاج، أو أن يتوفى نتيجة ارتطام رأسه وغير ذلك من السيناريوهات الخطيرة.

واتخذ كثيرون من هذه الحادثة دليلا على تصاعد وتيرة الاعتداءات على الأطفال في الأسر التونسية، وقد سبقتها حوادث مشابهة؛ ففي العام 2018، اعتدت جدة من محافظة صفاقس على حفيدها بطريقة وحشية، وكوته بالنار بواسطة سكين بعد أن ضربته ضربا مبرحا لأنه كان كثير التبوّل. وقد تم توقيف الجدة وعرض الطفل على الطب الشرعي وفتح تحقيق في الغرض. وتبين أن والدي الطفل مطلقان وأن الأم تنازلت عن الحضانة لطليقها ليبقى الطفل في كفالة جدته.

كما شهدت مدينة المتلوي من محافظة قفصة في العام 2017، حادثة غريبة تمثلت في إقدام أب على الاعتداء بالعنف الجسدي على ابنه الرضيع ما استوجب نقله إلى الرعاية الصحية الاستعجالية، أين قامت الإدارة بالاتصال بالأمن، وبالمكلف برعاية الطفولة، وتم إيداع الأب السجن.

هذه الحوادث المتواترة، جاءت لتعزز ما ورد في تقرير وضع الطفولة في تونس لسنة 2018 الذي عرضت نتائجه موفى ديسمبر الماضي. وقد كشف التقرير تعرض 88.7 بالمئة من الأطفال للتأديب العنيف بجميع أشكاله داخل الأسرة، 86.6 بالمئة منهم ضحايا التأديب اللفظي العنيف. كما كشف التقرير عن الشريحة العمرية التي كانت أكثر عرضة للتعنيف، وهم الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 5 و9 سنوات وتم رصدهم في المناطق الريفية المهمشة والأسر الأكثر فقرا.

وقالت رئيسة لجنة الطفولة والمرأة بالبرلمان، سماح دمق إنه “رغم النصوص القانونية والدستورية التي تحمي الطفل من أي تهديد، وتراعي مصلحته الفضلى وتلزم أجهزة الدولة بالسهر على حمايته، إلا أن الانتهاكات ما زالت متواصلة، والتهديدات التي تحيط بالأطفال من كل مكان ما زالت موجودة”.

الضغوط التي تعيشها الأسر وعدم القدرة على تلبية متطلبات الأطفال تعكران مزاج الأمهات  فيلجأن إلى العنف مع الأبناء

وكشف المسح العنقودي متعدد المؤشرات عن وضع الأم والطفل في تونس أن حوالي 1 من 5 آباء يعتقدون أن العقوبة البدنية ضرورية لتربية الطفل، مشيرا إلى أن الذكور يتعرضون للتأديب العنيف أكثر من البنات بنسبة تساوي 89 بالمئة مقابل 87.1 بالمئة للفتيات.

وأظهرت دراسة أجرتها وزارة التنمية والتعاون الدولي بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” في العام 2016 أن أكثر من 90 بالمئة من أطفال تونس يتعرضون لأشكال متعددة من العنف على الرغم من وجود قوانين تضمن حقوق الطفل وتمنع ممارسة أي شكل من أشكال العنف ضده.

وأكدت دراسة قضائيّة قام بها مركز الدراسات القانونية والقضائية قصور التشريعات عن حماية حقوق كل الأطفال، ذلك أن المشرعين ﺧصصوا القسم الأول من مجلة حماية حقوق الطفل للأطفال المهَدّدين، والثاني للأطفال الجانحين، واهتموا أيضا باﻟﻄﻔﻞ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻓﺘﺮﺓ ﺗﻨﻔﻴﺬ الإجراءات ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ الجزائيّة، لكنهم لم يهتموا بالأطفال ضحايا الجريمة بصفة عامة.

وقالت القاضية سامية دولة لـ”العرب”، إن المواثيق الدولية ركزت على الطفل مرتكب الجريمة وليس على الطفل ضحية الجريمة مشيرة إلى أن هذه المقاربة أثّرت على جميع قوانين الدول التي اهتمت بدورها بالطفل المهدّد أو الطفل الجانح.

وتأمل دولة في أن يتم تلافي الثغرة التشريعية الموجودة في مجلة حقوق الطفل بإضافة باب جديد يتعلق بالطفل الضحية وإنشاء مؤسسات قضائية قادرة على حمايته.

وأجمع خبراء في مجال الطفولة على أن تنامي ظاهرة العنف ضد الأطفال يعود إلى استفحال ظاهرة العنف في المجتمع التونسي. وقال الناشط في مجال حماية حقوق الطفل زهير بن عمار، إن ظاهرة العنف ضد الأطفال ليست بالجديدة على الأسر التونسية غير أنها شهدت خلال السنوات الماضية تحوّلا نوعيا خطيرا من خلال نوعية العنف، ومنها العنف الجسدي داخل الأسرة.

ويتفق مدير عام الطفولة بوزارة المرأة والأسرة والطفولة شكري معتوق، مع بن عمار، مؤكدا أن ظاهرة الاعتداء على الأطفال في تونس ليست بالجديدة ولكن بفضل تطور وسائل الاتصال أصبحت أخبار حوادث الاعتداء تصلنا سريعا.

مطالب بضرورة التوعية في التعريف بالتربية الأسرية
مطالب بضرورة التوعية في التعريف بالتربية الأسرية

وقال معتوق لـ”العرب”، “إن الحراك الاجتماعي الذي عرفته تونس بعد الثورة ساهم في تقريب الحوادث إلى المواطن، ومنها حوادث الاعتداء على الأطفال”، مشيرا إلى أن العنف المسلط على الطفل منتشر داخل الأسرة وخارجها وفي الفضاءات العمومية وحتى داخل مؤسسات رعاية الطفولة.

واعتبرت رئيسة مصلحة رياض الأطفال بوزارة المرأة والأسرة عليسة خواجة أن الطفل يتعرض للعنف داخل الأسرة وفي المؤسسات التي من المفترض أن تكون راعية له وفي الشارع أيضا، موضحة أن العنف بات ظاهرة تتطلب دراسات معمقة خاصة أنها شملت كل فئات المجتمع، وأن الأطفال من أبرز ضحاياها.

وأضافت خواجة لـ”العرب”، إن “التغييرات الاجتماعية أثرت على الآباء وجعلت ردود أفعالهم قاسية، كما أن الضغوط التي تعيشها الأسر وعدم القدرة على تلبية متطلبات الأطفال تعكران مزاج الأمهات ويجعلهن سريعات الغضب فيلتجئن للعنف، ليصبح المكان الآمن بالنسبة للطفل مصدرا للعنف وفضاء لا يحترم حقوقه”.

وأضافت أن الطفل المعنَّف ينتج بالضرورة مجتمعا معنفا وأنه على الدولة أن تضاعف من آليات الوقاية لخلق مجتمع متوازن، مؤكدة أن وزارة المرأة تسعى لتعميم آلية التربية الأسرية على جميع المحافظات.

ولفت معتوق إلى أهمية وسائل التوعية التي تلعب دور الشريك الاستراتيجي في التعريف بالتربية الأسرية ومنها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. وقال “لا يمكن للعنف أن يؤدي إلى نتيجة إيجابية، ولا يمكن تغطية العنف بالتأديب لأن العنف يحد من المبادرة والخلق لدى الأطفال”.

21